
الاستيطان… الحرب التي تُدار بصمت ، بقلم : لؤي صوالحة
ليست الضفة الغربية أمام موجة استيطان جديدة، بل أمام أخطر مشروع استعماري منذ احتلال عام 1967. فما يجري اليوم ليس توسعاً عمرانياً، ولا خلافاً على حدود، ولا نزاعاً على ملكية أرض، بل عملية منظمة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وكسر إرادة الإنسان الفلسطيني، وتحويل الاحتلال من وجود عسكري إلى واقع دائم لا يحتاج إلى إعلان.
لقد تغيرت أدوات الاحتلال، لكن هدفه لم يتغير. فالدبابة التي كانت تقتحم المدن، بات يسبقها اليوم مستوطن يحمل بندقية، وخلفه وزير يمنحه الشرعية، وجندي يوفر له الحماية، وقاضٍ يمنح جريمته غطاءً قانونياً، وإعلام يحاول تصوير الضحية باعتبارها الجلاد.
لم يعد المستوطن مجرد فرد يعيش داخل مستوطنة غير شرعية وفق القانون الدولي، بل أصبح جزءاً من منظومة أمنية وسياسية متكاملة. فهو يهاجم القرى، ويغلق الطرق، ويحرق المنازل، ويقتلع الأشجار، ويمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ثم يقف الجيش ليؤمن انسحابه، بينما تتولى الحكومة تبرير الجريمة، ويتولى الإعلام الإسرائيلي إعادة صياغة الرواية.
هذه ليست تجاوزات أفراد، بل سياسة دولة.
من يتابع ما يجري في تل، وبرقة، وسنجل، وترمسعيا، والمغير، والأغوار، ومسافر يطا، يدرك أن الاحتلال انتقل إلى مرحلة جديدة؛ مرحلة صناعة واقع لا يمكن التراجع عنه. فكل بؤرة استيطانية تقام فوق تلة فلسطينية ليست مجرد كرفان، بل إعلان عن مشروع ضم جديد. وكل شارع يُغلق أمام الفلسطيني ويُفتح للمستوطن هو ترسيم لحدود يريدها الاحتلال بالقوة.
إن إسرائيل لا تخوض حرباً على الفلسطيني بالسلاح فقط، بل تخوض حرباً على الزمن. فهي تدرك أن السيطرة العسكرية مؤقتة، أما السيطرة على الأرض فهي التي تصنع الوقائع السياسية. ولهذا تتسابق الجرافات مع المفاوضات، وتتقدم المستوطنات على أي حديث عن السلام.
لكن التاريخ يقدم حقيقة لم تستطع أي قوة استعمارية تجاوزها: يمكن احتلال الأرض، لكن لا يمكن احتلال الذاكرة.
سبعة عقود من الاحتلال والاستيطان لم تُنتج فلسطينياً واحداً يعتقد أن المستوطنة أصبحت وطناً للمحتل، لأن العلاقة بين الفلسطيني وأرضه ليست علاقة ملكية مسجلة في دائرة الطابو، بل علاقة وجود وهوية وتاريخ. ولهذا بقيت شجرة الزيتون أقوى من الجرافة، وبقيت القرية التي هُدمت عشرات المرات تعود للحياة كلما ظن الاحتلال أنه أنهاها.
الاحتلال يملك القوة، لكنه لا يملك الشرعية.
يملك الطائرات، لكنه لا يملك التاريخ.
يملك الجدار، لكنه لا يملك الجذور.
ولهذا، فإن المشروع الاستيطاني، مهما بدا متقدماً، يحمل في داخله بذور أزمته. فكل مستوطنة جديدة تحتاج إلى مزيد من الجنود، وكل طريق استيطاني يحتاج إلى مزيد من الحواجز، وكل بؤرة تحتاج إلى مزيد من الحماية، حتى يصبح الاحتلال أسيراً لمشروعه، يستهلك جيشه واقتصاده ومجتمعه في حماية كيان استيطاني لا يعرف الاستقرار.
ولعل التحذيرات التي تصدر حتى من مسؤولين أمنيين إسرائيليين سابقين تكشف حجم المأزق. فهم يدركون أن المستوطن الذي مُنح السلاح والنفوذ لم يعد عبئاً على الفلسطيني وحده، بل أصبح تحدياً للدولة التي سلحته، وأن الإرهاب حين يُشرعن لا يبقى قابلاً للضبط.
أما الفلسطيني، فهو يخوض معركة مختلفة تماماً.
إنه لا يقاتل من أجل توسيع حدود، ولا من أجل السيطرة على شعب آخر، بل من أجل أن يبقى في بيته، وأن يصل إلى مدرسته، وأن يزرع أرضه، وأن يحصد زيتونه، وأن يدفن شهداءه في أرض آبائه وأجداده.
وهذه هي نقطة القوة التي لم يفهمها الاحتلال يوماً.
فالشعوب التي تدافع عن وجودها قد تُرهق، لكنها لا تستسلم. وقد تخسر معركة، لكنها لا تتخلى عن حقها. والتاريخ، منذ الجزائر إلى جنوب أفريقيا، يثبت أن المشاريع الاستعمارية قد تمتلك القوة لعقود، لكنها تعجز في النهاية عن كسر إرادة الشعوب.
إن الضفة الغربية ليست مجرد مساحة جغرافية على الخريطة، بل قلب المشروع الوطني الفلسطيني. وإذا نجح الاحتلال في تمزيقها إلى جزر معزولة، فإنه لن يكون قد صادر الأرض فقط، بل سيحاول مصادرة المستقبل. ولذلك فإن الدفاع عن الضفة اليوم هو دفاع عن فكرة فلسطين نفسها.
ولن يكون ذلك مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل مسؤولية المجتمع الدولي الذي لا يجوز أن يكتفي ببيانات الإدانة، بينما تتوسع المستوطنات، وتحترق القرى، وتُقتلع الأشجار، وتُفرض الوقائع بقوة السلاح. فالقانون الدولي يفقد معناه إذا بقي عاجزاً عن حماية المدنيين ووقف الاستيطان غير المشروع.
سيبقى الاحتلال قادراً على بناء المزيد من المستوطنات، لكنه لن يستطيع بناء رواية تُقنع العالم بأن صاحب الأرض هو الغريب، وأن من وُلد على هذه الأرض قبل آلاف السنين يحتاج إلى إذن ليعيش فيها.
قد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتغير موازين القوى، لكن الحقيقة تبقى ثابتة: إن الأرض التي تحفظ أسماء أصحابها لا تمنح شرعيتها للمحتل، وإن الشعوب التي تتمسك بحقوقها لا تُقاس بما تخسره في الحاضر، بل بما تحفظه للمستقبل.
وفي النهاية، قد يربح الاحتلال جولةً بقوة السلاح، لكنه لن ينتصر في معركة التاريخ. لأن الأوطان لا يحرسها الحديد وحده، بل يحرسها إيمان أهلها بها، ولأن فلسطين، التي أنجبت جيلاً بعد جيل يحمل مفاتيح البيوت وذاكرة المكان، ستظل أكبر من الجدار، وأبقى من المستوطنة، وأعمق من كل مشاريع الاقتلاع.
فالاستيطان قد يغيّر ملامح التلال، لكنه لن يغيّر هوية الأرض، ولن يستطيع أن يكتب تاريخاً جديداً فوق تاريخٍ كتبه أصحاب البلاد بدمهم وصبرهم وبقائهم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.