
استطلاع CGTN :عندما تبدأ الآلات في التفكير، ما الذي يتعين على البشر الإجابة عليه؟
شفا – على مر التاريخ، مثلت كل ثورة تكنولوجية تجسيدًا لقدرات الإنسان وإعادة تعريف للإنسانية نفسها. غير أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا أعمق، فهو لم يعد يكتفي بتسجيل الواقع فحسب، بل بدأ في توقعه. فلم يعد يقتصر على تفسير العالم كما هو موجود، بل أصبح يرتب بشكل متزايد التسلسل الهرمي للمستقبلات المحتملة قبل أن تتكشف. وبهذا المعنى، لم يعد التنبؤ مجرد وصف لما قد يحدث، بل أصبح قوة تشكل بشكل فعال ما سيحدث بعد ذلك.
والسؤال الأعمق الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي ليس ما إذا كانت الآلات قادرة على التفكير مثل البشر، بل ما نوع السلطة التي بدأت أحكامها تفرضها. من يمنحها تلك السلطة؟ ومن يحاسبها؟ وفي النهاية، ما نوع المستقبل الذي ستخلقه للبشرية؟
في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي لعام 2026 والاجتماع الرفيع المستوى حول الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، طرحت الصين رؤيتها لحوكمة الذكاء الاصطناعي: التمسك بنهج يركز على الإنسان وضمان تطوير الذكاء الاصطناعي من أجل الخير، بحيث يكون محركًا مهمًا للازدهار المشترك والأمن المشترك، مع العمل معًا لبناء نظام عادل ومنصف للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي. ولا تعالج هذه الرؤية الفجوة في القدرات التكنولوجية فحسب، بل تتناول أيضًا الفجوة المتزايدة بين وتيرة التطور التكنولوجي ووتيرة التوصل إلى توافق في الآراء بشأن الحوكمة. ومع استمرار التقدم التكنولوجي في تجاوز وتيرة التوصل إلى توافق في الآراء، قد تظهر القوة في المستقبل قبل أن توضع القواعد التي من المفترض أن تحكمها. ولذلك، فإن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على إدارة المخاطر فحسب، بل تتعلق بإيجاد توازن بين الابتكار التكنولوجي والنظام القائم على القواعد.
كشف استطلاع رأي عالمي أجرته شبكة CGTN عبر الإنترنت أن 85.4% من المشاركين يعتقدون أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يطرح تحديات جديدة للأمن والحكم العالميين. وأعرب 92.6% عن قلقهم من أن تقنيات التزييف العميق وتوليد المعلومات الكاذبة من شأنها أن تقوض أسس الثقة المجتمعية ، في حين أعرب 87.8% عن قلقهم من أن الحواجز التكنولوجية والجدران الرقمية قد تؤدي إلى تجزئة التعاون العلمي والتكنولوجي العالمي. إن هذه النتائج تشير إلى أن التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي قد تجاوزت منذ فترة طويلة نطاق التكنولوجيا بحد ذاتها، فقد أصبح تعزيز الحوكمة العالمية وتكوين إجماع دولي أوسع من الضرورات المشتركة في عصر الذكاء الاصطناعي.
كما كشف الاستطلاع أن 82.6% من المشاركين يعتقدون أن الدول النامية ودول الجنوب العالمي يجب أن تلعب دوراً أكبر في صياغة قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي لضمان أن يكون النظام عادلاً وشاملاً. وفي الوقت نفسه، يأمل 87.5% أن يعمل المجتمع الدولي معاً لتعزيز ذكاء اصطناعي يكون متاحاً وشاملاً، مما يمنع التكنولوجيا من أن تصبح محركاً جديداً لعدم المساواة. ولا تعكس هذه النتائج التوقعات المشتركة للجمهور العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تعكس أيضاً إجماعاً دولياً متزايداً على أن الانفتاح والتعاون -وليس الاحتكارات التكنولوجية ، والشمولية والمنافع المشتركة — وليس الحواجز التنظيمية — هي التي ينبغي أن تحدد مستقبل حوكمة الذكاء الاصطناعي.
إن الهدف من الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي ليس إرساء نموذج صحيح واحد للعالم، بل ضمان ألا يصبح أي فهم واحد للعالم هو السائد. الحوكمة ليست عدو الابتكار، بل هي الإبداع الثاني للابتكار. يحدث الأول في المختبر، حيث تكتسب الآلات قدراتها، أما الثاني فيحدث من خلال المؤسسات والمعايير الأخلاقية والتعاون الدولي، حيث تُمنح التكنولوجيا غاية وحدودًا ومسؤولية. فالذكاء الاصطناعي بدون حوكمة هو مجرد قوة، أما الذكاء الاصطناعي الذي تشكله القيم المشتركة، فهو ما يمكّن التكنولوجيا من أن تصبح قوة حقيقية من أجل الصالح العام.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لا تقتصر حوكمة الذكاء الاصطناعي على الرخاء المشترك والأمن المشترك فحسب، بل تتعلق أيضًا بقدرتنا المشتركة على صياغة المستقبل. وينبغي أن يتجاوز النظام العادل حقًّا للذكاء الاصطناعي مجرد ضمان تقاسم الجميع لفوائد التقدم التكنولوجي، بل يجب أن يضمن أيضًا أن يكون لكل دولة وكل حضارة صوت في وضع القواعد وتحديد اتجاه مستقبل الذكاء الاصطناعي. لا ينبغي أن يكون المستقبل إجابة محددة سلفًا أنتجها نموذج ما، بل مسودة غير مكتملة تكتبها البشرية بشكل جماعي. إن بدء الآلات في التفكير يمثل علامة فارقة في تاريخ التكنولوجيا، أما قدرة البشرية على تحمل المسؤولية معًا والحفاظ على حرية الاختيار، هما ما يمثلان تقدم الحضارة.
الكاتب : شين يانغ، الأستاذ المشترك في كلية الصحافة والإعلام وكلية الذكاء الاصطناعي بجامعة تشينغوا
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.