
ليست عزفا منفردا… بل سيمفونية مشتركة: رؤية الصين في عصر الذكاء الاصطناعي ، بقلم : ريماس الصينية
قبل سبعين عاما، اجتمع عدد من الباحثين الشباب في كلية دارتموث بالولايات المتحدة، وطرحوا لأول مرة مفهوم “الذكاء الاصطناعي”. آنذاك، بدا الأمر أقرب إلى فكرة من الخيال العلمي؛ فأن تتمكن الآلات من التفكير كما يفكر الإنسان كان يبدو بعيدا عن الواقع.
أما اليوم، وبعد سبعين عاما، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرا في مختلف جوانب الحياة والإنتاج. لم يعد مجرد مفهوم داخل المختبرات، بل أصبح الذراع الآلية في المصانع، والشاحنات ذاتية القيادة في المناجم، والمساعد الذكي في الهواتف، وأداة التشخيص في المستشفيات. إنه يغير العالم، ويطرح في الوقت نفسه سؤالا جوهريا: عندما تبدأ الآلات في التفكير، كيف ينبغي للإنسان أن يتعامل معها؟
من “عامل حاسم” إلى “محرك قوي للنمو”
في الصين، لم يعد الذكاء الاصطناعي حبيس المختبرات، بل أصبح يدخل المصانع والحقول والأحياء السكنية.
ففي أحد مصانع المحولات الكهربائية، يمكن مشاهدة “مصنعين” يعملان في الوقت نفسه: الأول هو المصنع الحقيقي، حيث تقوم الأذرع الآلية بتجميع المنتجات، أما الثاني فهو “مصنع افتراضي” داخل العالم الرقمي، يستطيع محاكاة عملية الإنتاج بالكامل وتحسينها قبل تنفيذها على أرض الواقع. وكانت النتيجة تقليص فترة تطوير المنتجات إلى نحو أربعة أخماس المدة السابقة، ورفع كفاءة الإنتاج بنسبة تقارب ٤٠٪.
وفي المناجم المفتوحة، دخلت آلاف الشاحنات ذاتية القيادة الخدمة الفعلية، حيث تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتخطيط مساراتها، والتعرف على ظروف الطريق، وإنجاز عمليات النقل دون الحاجة إلى سائق.
أما في قطاع الدراجات الهوائية المشتركة داخل المدن، فتقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي يوميا بتحليل كميات هائلة من بيانات التنقل، لتحديد الأماكن التي تحتاج إلى مزيد من الدراجات أو إعادة توزيعها، بما يرفع كفاءة استخدامها بصورة ملحوظة.
وتعكس هذه المشاهد أرقاما تتزايد باستمرار. ففي عام ٢٠٢٥، تجاوز حجم الصناعات الأساسية للذكاء الاصطناعي في الصين ١,٢ تريليون يوان (حوالي ١٦٧ مليار دولار أمريكي)، فيما تجاوز عدد الشركات العاملة في هذا القطاع ٦٢٠٠ شركة. كما أصبحت الصين أكبر دولة في العالم من حيث عدد براءات الاختراع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، إذ تمثل طلبات براءات الاختراع الصينية نحو ٦٠٪ من الإجمالي العالمي.
ولم يعد الذكاء الاصطناعي في الصين مجرد موضوع للبحث العلمي، بل أصبح قوة إنتاجية حقيقية.
كيف حققت الصين ذلك؟
إذا شُبّه تطور الذكاء الاصطناعي في الصين ببناء ضخم، فإن هذا البناء يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية.
أولها، التطور المتواصل للتكنولوجيا نفسها. فالنماذج اللغوية الكبيرة، والوكلاء الأذكياء (AI Agents)، والرقائق المتخصصة، جميعها تشهد تطورا متسارعا. ومن المتوقع أن يتجاوز إنتاج الروبوتات الشبيهة بالإنسان ١٠٠ ألف وحدة هذا العام، كما تجاوز إجمالي عدد مرات تنزيل النماذج الصينية المفتوحة المصدر ١٠ مليارات مرة حول العالم، ما يتيح لعدد متزايد من المطورين استخدام هذه التقنيات مجانا وتطوير تطبيقاتهم الخاصة.
أما العمود الثاني فهو القدرة الحاسوبية. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طاقة حسابية هائلة. وحتى نهاية عام ٢٠٢٥، أنشأت الصين ٤٢ مركزا كبيرا للحوسبة الذكية، لتصبح من بين الدول الرائدة عالميا في هذا المجال. ويمكن تشبيه ذلك ببناء شبكة من الطرق السريعة؛ فبعد اكتمال الطرق، تصبح حركة المركبات أكثر سرعة وكفاءة.
أما العمود الثالث، فهو دمج التكنولوجيا في مختلف القطاعات الاقتصادية. فمن مبادرة “الذكاء الاصطناعي +” إلى بناء “نمط جديد للاقتصاد الذكي”، تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: التكنولوجيا ليست للعرض، بل لحل المشكلات الواقعية؛ فهي تساعد المصانع على رفع الإنتاجية، والأطباء على تحسين دقة التشخيص، والمزارعين على إدارة الإنتاج الزراعي بصورة أكثر علمية.
من يضع القواعد؟ وكيف؟
رغم السرعة الكبيرة التي يشهدها تطور الذكاء الاصطناعي، يبقى سؤال أساسي مطروحا: من يضع القواعد؟
ترى الصين أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل دائما تحت سيطرة الإنسان، وأن يكون آمنا وموثوقا وجديرا بالثقة. كما تؤكد أن هذه التكنولوجيا يجب ألا تتحول إلى امتياز تحتكره قلة من الدول، بل ينبغي أن تحظى الدول النامية بفرص متكافئة للمشاركة في تطويرها والاستفادة منها.
وانطلاقا من هذا التصور، أعلنت الصين مؤخرا مجموعة من المبادرات الموجهة إلى دول الجنوب العالمي. وخلال السنوات الخمس المقبلة، ستوفر ٥٠٠٠ فرصة تدريب متخصصة في الذكاء الاصطناعي للدول النامية، كما ستعمل على إنشاء مراكز دولية للتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، ومجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس.
وفي الوقت نفسه، تعمل الصين على توسيع تطبيق نظام الإنذار المبكر الذكي للأرصاد الجوية “مازو” ليشمل ٣٠ دولة، بما يسهم في تعزيز قدرات الإنذار المبكر بالكوارث الطبيعية، ودعم الزراعة، وتحسين إدارة المخاطر المناخية.
وهذه ليست مجرد أفكار عامة، بل مبادرات محددة بأهداف وأرقام واضحة. فبرامج التدريب تمنح الكفاءات في الدول العربية فرصة للاطلاع على أحدث تطورات الذكاء الاصطناعي، بينما تتيح مراكز التعاون مشاركة أوسع في تبادل الخبرات ومناقشة قواعد الحوكمة. أما تطبيق نظام الإنذار المبكر، فيرتبط بصورة مباشرة بالأمن الزراعي والاستعداد للكوارث الطبيعية.
وفي السياق نفسه، شهدت مدينة شانغهاي تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، بعد أن وقعت وفود من ٢٩ دولة الاتفاقية المؤسسة لتصبح أعضاء مؤسسين فيها. وتعد هذه المنظمة الحكومية الدولية المستقلة منصة لتعزيز التعاون الدولي والحوكمة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، انطلاقا من مبادئ التشاور والتعاون والمنفعة المشتركة، مع التأكيد على أن الإنسان يجب أن يبقى محور تطوير هذه التكنولوجيا. وهكذا، تحولت المبادرة التي طُرحت قبل عام إلى واقع عملي.
ليست عزفا منفردا… بل سيمفونية مشتركة
يقول الصينيون: “وتر واحد لا يصنع لحنا، وشجرة واحدة لا تكوّن غابة.”
وينطبق هذا المعنى تماما على الذكاء الاصطناعي. فمستقبل هذه التكنولوجيا لا ينبغي أن يكون عزفا منفردا تؤديه دولة واحدة، بل سيمفونية عالمية يشارك الجميع في صياغتها.
وعندما تصبح التكنولوجيا قادرة على تغيير العالم، فلا ينبغي أن يبقى قرار تطويرها واستخدامها في يد عدد محدود من الدول.
وما تحاول الصين القيام به اليوم هو إتاحة الفرصة أمام مزيد من الدول للانضمام إلى مسيرة الذكاء الاصطناعي، ليس باعتبارها مجرد متلقية للتكنولوجيا، بل شريكا يمتلك القدرة على المشاركة في رسم الاتجاه وصناعة المستقبل.
- – ريماس الصينية – الصحفية في CGTN العربية – الصين .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.