2:02 صباحًا / 15 يوليو، 2026
آخر الاخبار

هل تخشى إسرائيل انهيار السلطة الفلسطينية أكثر مما تخشى قيام الدولة الفلسطينية؟ بقلم: المهندس غسان جابر

هل تخشى إسرائيل انهيار السلطة الفلسطينية أكثر مما تخشى قيام الدولة الفلسطينية؟ بقلم: المهندس غسان جابر

قد تبدو العبارة صادمة للوهلة الأولى.

لكن ربما يستحق الأمر أن نتوقف قليلاً أمام السؤال التالي:

ماذا سيحدث لو استيقظت إسرائيل غداً صباحاً واكتشفت أن السلطة الفلسطينية لم تعد موجودة؟

من سيدير المدارس؟

من سيدفع رواتب عشرات آلاف الموظفين؟

من سيشرف على المستشفيات والخدمات الصحية؟

من سيدير البلديات والنفايات والمياه والكهرباء؟

من سيتولى إصدار التراخيص والوثائق والمعاملات اليومية لملايين الفلسطينيين؟

ومن سيتحمل المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية والمالية عن حياة السكان الواقعين تحت الاحتلال؟

هنا تبدأ الصورة بالتحول.

فجأة تصبح السلطة الفلسطينية، التي تأسست باعتبارها خطوة انتقالية نحو الدولة، جزءاً أساسياً من البنية التي تجعل الواقع الحالي قابلاً للاستمرار.

قبل أكثر من ثلاثين عاماً كان التصور مختلفاً تماماً.

كانت السلطة مشروع عبور نحو الدولة.

وكان يفترض أن تكون محطة مؤقتة على طريق الاستقلال.

لكن التاريخ الفلسطيني يمتلك قدرة غريبة على تحويل المؤقت إلى دائم.

ثلاثون عاماً مرت.

الدولة لم تولد.

لكن المرحلة الانتقالية بقيت.

بل إن جميع الأطراف تقريباً أصبحت تمتلك مصلحة، بدرجات مختلفة، في استمرارها.

الفلسطيني يخشى الفوضى والانهيار الاقتصادي والإداري.

المجتمع الدولي يخشى الانفجار الأمني والسياسي.

الدول الإقليمية تخشى انتقال عدم الاستقرار إلى المنطقة بأكملها.

أما إسرائيل، فربما تمتلك السبب الأكثر براغماتية بينها جميعاً.

وجود السلطة الفلسطينية خفف بصورة هائلة من كلفة الاحتلال.

فالاحتلال التقليدي لا يعني فقط وجود الجنود والحواجز.

الاحتلال، وفق القانون الدولي، يعني أيضاً مسؤولية كاملة عن السكان الذين يعيشون تحت السيطرة العسكرية.

تعليمهم.

صحتهم.

بنيتهم التحتية.

اقتصادهم.

وخدماتهم اليومية.

لكن الواقع الحالي أنتج نموذجاً مختلفاً تماماً.

إسرائيل تحتفظ بالأرض والمعابر والمجال الجوي والسيطرة الأمنية والموارد الاستراتيجية.

في المقابل، تتولى السلطة الفلسطينية إدارة الجزء الأكبر من الحياة اليومية للفلسطينيين.

إنها واحدة من أكثر المعادلات السياسية غرابة في التاريخ الحديث:

احتلال يمتلك معظم أدوات السيطرة، لكنه لا يتحمل كامل كلفة السيطرة.

وسلطة تدير السكان، لكنها لا تمتلك أدوات السيادة.

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية:

هل أصبحت السلطة الفلسطينية بالنسبة لإسرائيل جزءاً من الحل الإداري أكثر من كونها جزءاً من المشكلة السياسية؟

ربما لهذا السبب تبدو إسرائيل قلقة من سيناريو الانهيار الكامل للسلطة أكثر من قلقها من كثير من السيناريوهات الأخرى.

لأن انهيار السلطة لا يعني فقط انهيار مؤسسة سياسية فلسطينية.

بل يعني عودة الأسئلة التي نجحت جميع الأطراف في تأجيلها لسنوات طويلة:

من يحكم الأرض؟

ومن يتحمل المسؤولية عن السكان؟

ومن يدفع الكلفة؟

وهل تستطيع إسرائيل العودة إلى إدارة الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين كما كان الحال قبل اتفاق أوسلو؟

وربما هنا تكمن المفارقة الفلسطينية الكبرى.

قبل ثلاثين عاماً كان السؤال المركزي هو:

كيف ستولد الدولة من رحم السلطة؟

أما اليوم، فقد أصبح السؤال مختلفاً تماماً:

هل أصبحت السلطة قادرة على الاستمرار دون أفق سياسي للدولة؟

وهل أصبح بقاء السلطة هدفاً بحد ذاته بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق هدف أكبر؟

هذه ليست دعوة إلى انهيار السلطة.

وليست دعوة إلى الفوضى.

وليست تقليلاً من أهمية المؤسسات الوطنية التي بُنيت خلال العقود الماضية.

لكن المشاريع السياسية الكبيرة تحتاج من وقت إلى آخر إلى العودة للسؤال الأول:

ما هي الوظيفة الأصلية لهذه المؤسسة؟

وما هو الهدف النهائي من وجودها؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع وطني ليس الفشل.

بل أن ينجح الواقع في تغيير وظيفته الأصلية دون أن ينتبه أحد.

وربما لهذا السبب لم يعد السؤال الفلسطيني الأكثر إلحاحاً هو:

كيف نحافظ على السلطة؟

بل:

كيف نعيد ربط السلطة بالمشروع الوطني الذي أُنشئت من أجله؟

لأن المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على الاستمرار.

بل بقدرتها على الاقتراب من الهدف الذي وُجدت لتحقيقه.

أما إذا أصبح بقاء المؤسسة هو الهدف النهائي، فإن المشروع الوطني كله يصبح معرضاً لخطر التحول من مشروع تحرر إلى مشروع إدارة دائمة للأزمة.

وربما تكون هذه هي المعضلة السياسية الفلسطينية الأكبر بعد أكثر من ثلاثين عاماً على أوسلو:

هل ما زلنا نبني دولة باستخدام السلطة؟

أم أصبحنا نحافظ على السلطة في انتظار دولة قد لا تأتي؟

م. غسان جابر – القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية

شاهد أيضاً

من بين ركام المخيمات إلى فرحة التخرج.. ياسر عباس يؤكد أن طولكرم عصية على الانكسار

من بين ركام المخيمات إلى فرحة التخرج.. ياسر عباس يؤكد أن طولكرم عصية على الانكسار

شفا – أجرى عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، مفوض العلاقات الدولية ياسر عباس، زيارة ميدانية …