
في تحقيق استقصائي وحوار صحفي خاص
شفا – خاص – أكدت الباحثة والناشطة السياسية الفلسطينية، الدكتورة منى أبو حمدية، أن استهداف المواقع الأثرية والتاريخية في فلسطين ليس مجرد انتهاكات معزولة، بل يندرج ضمن سياسة ممنهجة وأدلجة واضحة لعلم الآثار تهدف إلى إعادة صياغة المشهد التاريخي ونفي الرواية الفلسطينية لصالح سردية الاحتلال.
وفي حوار خاص مع شبكة فلسطين للأنباء – شفا ، حذرت أبو حمدية المتخصصة في التاريخ والتراث والآثار من تصاعد هذه المخاطر مع توظيف الآثار في الخطاب الانتخابي الإسرائيلي الحالي، وخاصة مشاريع اليمين المتطرف الساعية لشرعنة الضم والاستيطان.
وسلطت الباحثة ” ابو حمدية ” الضوء على الدمار الواسع الذي طال معالم قطاع غزة التاريخية مؤخراً، إلى جانب التهويد المستمر في القدس والخليل وسبسطية، وكافة المناطق في الضفة الغربية ، داعية إلى ملاحقة دولية وبناء قاعدة بيانات وطنية لاسترداد الآثار المنهوبة، باعتبار المعركة على الذاكرة لا تقل ضراوة عن المعركة على الأرض.
و شددت الباحثة الفلسطينية الدكتورة منى أبو حمدية على أن الوجود الثقافي والتراثي الفلسطيني يمثل عمقاً حضارياً يمتد لآلاف السنين من الحضارات الكنعانية والرومانية والإسلامية التي لا يمكن لشطبها أو اختزالها في حقبة واحدة أن ينجح. وفي حوار شامل وخاص مع “شفا” ، تطرقت أبو حمدية إلى الحاجة الوطنية لتأسيس متحف قومي محمي بمعايير دولية، وتفعيل دور التشريعات المحلية لحماية الآثار ومواجهة الأبحاث الزائفة.
ووجهت الباحثة في ختام حديثها رسالة حشد واستنهاض للشباب والمرأة والنخب المثقفة بضرورة التمسك بالوعي التاريخي والمعرفة كأدوات مقاوِمة، مؤكدة أن “الشعوب التي تعرف تاريخها تستطيع الدفاع عن حاضرها وصناعة مستقبلها”.
وهذا نص الحوار الصحفي الخاص :
1- ما هي أبرز المواقع الأثرية الفلسطينية التي رصدتِ تعرضها للتهويد أو التدمير الممنهج أو النهب مؤخراً؟
إن الحديث عن استهداف المواقع الأثرية الفلسطينية لا يتعلق بحالات منفردة، بل نحن أمام سياسة ممنهجة تستهدف الذاكرة المادية للشعب الفلسطيني ومحاولة إعادة صياغة المشهد التاريخي بما يخدم رواية سياسية محددة. وتشمل هذه الاستهدافات عدداً كبيراً من المواقع الأثرية والتاريخية في مختلف أنحاء فلسطين، ومنها سبسطية، وبرك سليمان، وتل بلاطة، وجبل جرزيم، والبلدة القديمة في الخليل، والقدس، والمواقع الأثرية في قطاع غزة التي تعرضت خلال الحرب الأخيرة لدمار واسع طال العديد من المعالم التاريخية.
وتزداد خطورة هذه السياسات مع تصاعد الخطاب الانتخابي الإسرائيلي الحالي، حيث تتحول الآثار والسياحة إلى أدوات في المنافسة السياسية الداخلية الإسرائيلية. وما يطرح اليوم من مشاريع وسياسات من قبل تيارات اليمين المتطرف، ومنها مشاريع مرتبطة بوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، لا يمكن فصلها عن محاولة استثمار المواقع الأثرية والدينية في كسب الأصوات وتعزيز خطاب السيطرة والضم.
وفي حال تمكنت هذه التيارات من تعزيز نفوذها السياسي، فإن المخاطر ستتضاعف، لأن السيطرة على الأرض لا تُفرض فقط عبر الإجراءات العسكرية، بل أيضاً عبر السيطرة على الرواية التاريخية، وتحويل المواقع الأثرية إلى أدوات لإنتاج شرعية زائفة لمشاريع الاستيطان والضم.
2- كيف توظف السلطات الإسرائيلية الحفريات الأثرية كأداة سياسية لتزييف الوعي ونفي الرواية التراثية الفلسطينية وخلق رواية بديلة؟
ما يحدث هو أدلجة للآثار وتسييس للتراث؛ أي تحويل علم الآثار من علم يبحث في الإنسان والمجتمعات والحضارات إلى أداة تخدم أجندة سياسية وأيديولوجية.
فالآثار في جوهرها ملك للإنسانية، وهي دليل على تعاقب الحضارات وتنوعها، لكنها عندما تُستخدم لإثبات رواية أحادية وإقصاء كل ما عداها فإنها تفقد حيادها العلمي وتتحول إلى وسيلة للهيمنة الرمزية.
لقد شهدنا خلال العقود الماضية نماذج عديدة لاستخدام الحفريات والمواقع الأثرية في القدس والخليل وسبسطية وغيرها من أجل تكريس روايات تاريخية انتقائية، يتم فيها التركيز على مرحلة زمنية واحدة وإهمال آلاف السنين من الحضارات التي تعاقبت على الأرض الفلسطينية؛ الكنعانية، والرومانية، والبيزنطية، والإسلامية، والعثمانية، وغيرها.
إن المشكلة ليست في دراسة أي فترة تاريخية، بل في استخدام فترة معينة لإلغاء تاريخ كامل لشعب وحضارة متجذرة.
3- ما هي الخطوات القانونية والدبلوماسية التي تقودها وزارتي الثقافة والسياحة لحماية الموروث الثقافي في المحافل الدولية؟
تبذل وزارة السياحة والآثار ووزارة الثقافة الفلسطينية جهوداً كبيرة على المستوى الوطني والدولي لحماية الموروث الثقافي الفلسطيني، من خلال التوثيق العلمي للانتهاكات الإسرائيلية، وإعداد الملفات الخاصة بالمواقع التاريخية، والعمل على تسجيل عناصر التراث الفلسطيني على القوائم الدولية، وخاصة قائمة التراث العالمي في اليونسكو.
وتولي وزارة السياحة والآثار اهتماماً كبيراً بتوثيق الاعتداءات على المواقع الأثرية، وإعداد التقارير العلمية التي تُرفع إلى المؤسسات الدولية، إضافة إلى العمل على تسجيل المواقع الفلسطينية المهددة بالخطر ضمن المنظومة الدولية للحماية.
ومن الأمثلة المهمة ملف سبسطية الأثرية الذي جرى العمل عليه منذ سنوات طويلة لإعداده للإدراج على قائمة التراث العالمي، إلى جانب ملف تل السلطان في أريحا، إلا أن الإجراءات الإسرائيلية والعراقيل السياسية المفروضة على الأرض تعيق الوصول إلى حماية دولية كاملة لهذه المواقع.
كما تعمل فلسطين من خلال المؤتمرات الدولية والاتفاقيات الثقافية على تعزيز حضور القضية التراثية الفلسطينية، لأن حماية التراث أصبحت اليوم جزءاً من حماية الهوية والسيادة الوطنية.
4- ما هو دور منظمة اليونسكو والمؤسسات الدولية في حماية الآثار الفلسطينية؟
لا شك أن وجود المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها اليونسكو، يمثل إطاراً مهماً لحماية التراث العالمي، لكن مستوى التدخل الدولي حتى الآن لا يزال أقل من حجم الخطر الحقيقي الذي تتعرض له المواقع الفلسطينية.
فالكثير من المواقف الدولية ما زالت تقتصر على البيانات والاستنكارات، بينما يحتاج الأمر إلى آليات أكثر فاعلية تُلزم القوة القائمة بالاحتلال باحترام الاتفاقيات الدولية، وخاصة اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية التراث العالمي.
إن حماية التراث ليست قضية ثقافية فقط، بل هي قضية قانونية وأخلاقية، وأي اعتداء ممنهج على الإرث الحضاري للشعوب يجب أن يخضع للمساءلة الدولية.
5 – كيف يمكن استخدام الملاحقة القانونية الدولية لمحاسبة الجهات التي تسرق وتتاجر بالآثار الفلسطينية المهربة؟
تبدأ المواجهة القانونية من خلال بناء ملف وطني شامل يعتمد على التوثيق العلمي والقانوني لكل قطعة أثرية تعرضت للسرقة أو النقل غير المشروع أو الاتجار بها، ومن ثم استخدام الاتفاقيات الدولية التي تمنع الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.
يجب العمل على إنشاء قاعدة بيانات وطنية للقطع الأثرية المفقودة، وربطها بالمؤسسات الدولية والجهات المختصة بمكافحة تهريب الآثار.
لقد تعرض التراث الفلسطيني عبر عقود طويلة لعمليات نهب ونقل غير مشروع، ومن الأمثلة المعروفة قضية الآثار التي اقتناها موشيه ديان بطرق أثارت جدلاً واسعاً، والتي كشفت عن حجم مشكلة الاتجار بالآثار الفلسطينية.
كما شهد قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة اعتداءات خطيرة على المواقع الأثرية والمتاحف والمقتنيات التراثية، وهو ما يستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً، لأن حماية التراث أثناء الحروب ليست خياراً بل التزاماً قانونياً.
6 – هل يحتاج الشعب الفلسطيني إلى متحف قومي تاريخي؟ وما رأيك بالمخاوف من تعرضه للنهب؟
وجود متحف فلسطيني قومي يمثل حاجة وطنية وحضارية، لأنه يشكل فضاءً لحفظ الذاكرة وعرض التاريخ الفلسطيني بكل مراحله منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث.
لكن فلسطين تمتلك بالفعل متاحف ومجموعات أثرية مهمة مرتبطة بالمواقع، إضافة إلى متحف روكفلر في القدس، وهو من أهم المتاحف الأثرية في المنطقة، وقد أصبح تحت السيطرة الإسرائيلية بعد عام 1967.
يضم المتحف مجموعات أثرية غاية في الأهمية تمثل مراحل تاريخية متعددة، وخاصة الفترات الكنعانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، ولا تزال التساؤلات قائمة حول مصير بعض المقتنيات وطبيعة إدارتها بعد السيطرة الإسرائيلية.
أما التخوف من إنشاء متحف قومي بسبب احتمال استهدافه، فهو تخوف مفهوم في ظل واقع الاحتلال، لكن الحل ليس التخلي عن المشروع، بل بناء مؤسسة متحفية وفق معايير دولية للحماية، وربطها بشبكات المتاحف العالمية، وجعلها جزءاً من منظومة حماية دولية.
7 – ما الإجراءات التي يمكن أن تقوم بها دولة فلسطين قانونياً لاستعادة الآثار المنهوبة ومقاومة الحرب على الهوية؟
باعتبار فلسطين دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة وعضواً في عدد من الاتفاقيات الدولية، فإن أمامها مجموعة من المسارات:
- تعزيز التوثيق الوطني للآثار المنهوبة والمفقودة وإنشاء سجل رسمي لها.
- رفع الملفات القانونية إلى المؤسسات الدولية المختصة ومطالبة الدول التي توجد فيها قطع أثرية فلسطينية بإعادتها وفق الاتفاقيات الدولية.
- تفعيل الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته.
- تعزيز التعاون مع الإنتربول والمؤسسات المختصة بمكافحة الاتجار بالآثار.
- تطوير التشريعات الوطنية الخاصة بحماية التراث ومنع التعدي عليه.
- إطلاق حملة دبلوماسية وثقافية عالمية تربط بين حماية التراث الفلسطيني وحماية حقوق الشعوب الأصلية في الحفاظ على ذاكرتها.
فالحرب على الهوية لا تقل خطورة عن الحرب على الأرض؛ لأن الاحتلال يدرك أن السيطرة على الماضي تساعده في محاولة السيطرة على الحاضر والمستقبل.
8 – لماذا تراجع نشاط المعارض التراثية والثقافية المؤقتة في فلسطين؟
تراجع هذا النشاط نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها إجراءات الاحتلال التي تعيق الحركة والتنقل، من الحواجز العسكرية وتقسيم الأراضي إلى كانتونات منفصلة، إضافة إلى القيود المفروضة على المؤسسات الثقافية.
كما أن أي نشاط ثقافي يعزز الهوية الوطنية الفلسطينية يُنظر إليه من قبل المشروع الاستيطاني باعتباره تعزيزاً للرواية الفلسطينية، ولذلك يتعرض للتضييق.
لكن رغم هذه الظروف بقيت الثقافة الفلسطينية حاضرة، لأن التراث ليس مجرد معروضات في قاعات، بل هو ممارسة يومية وذاكرة جماعية لا يمكن إلغاؤها بالسيطرة العسكرية.
9 – هل هناك سعي سياسي فلسطيني لإسناد ملف الثقافة والتراث في الانتخابات القادمة؟
هذا سؤال مهم، لأن الثقافة والتراث يجب ألا يكونا ملفات هامشية، بل جزءاً من المشروع الوطني والسياسي.
نحن بحاجة إلى تشريعات حديثة تحمي المواقع الأثرية، وتنظم العمل البحثي، وتعزز دور المؤسسات الثقافية، إضافة إلى تطوير رؤية وطنية لتوثيق تاريخ فلسطين بكل مراحله.
كما يجب مواجهة ظاهرة خطيرة تتمثل في بعض الكتابات التي تقدم روايات غير علمية أو تتبنى سرديات الاحتلال تحت غطاء البحث التاريخي.
العلم لا يُبنى على الأيديولوجيا، والمؤرخ وعالم الآثار مسؤول عن الحقيقة قبل أي اعتبار آخر. لذلك يجب دعم البحث العلمي الرصين، وتشجيع الباحثين الذين يعتمدون المنهج العلمي، ومحاسبة أي تزييف متعمد للتاريخ الفلسطيني.
10 – ما رسالتك للشباب والمرأة والنخب المثقفة؟
رسالتي أن فلسطين ليست مجرد أرض نعيش عليها، بل هي ذاكرة وحضارة وتجربة إنسانية ممتدة عبر آلاف السنين.
إن حماية التراث ليست مسؤولية علماء الآثار وحدهم، بل مسؤولية كل فلسطيني؛ لأن الموقع الأثري، والمخطوطات، والحكاية الشعبية، والبيت القديم، كلها أجزاء من الهوية.
على الشباب والمرأة والمثقفين أن يحملوا المعرفة بوصفها أداة مقاومة، وأن يدركوا أن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الرواية والمعنى والذاكرة.
فالشعوب التي تعرف تاريخها تستطيع الدفاع عن حاضرها وصناعة مستقبلها.
وفلسطين ليست صفحة عابرة في التاريخ، بل هي كتاب حضاري مفتوح، وكل حجر فيها يحمل شهادة على إنسان عاش وبنى وأبدع.
هذه الأرض لا تتسع لرواية تلغي رواية أخرى، لكنها تتسع للحقيقة؛ والحقيقة أن فلسطين كانت وما زالت أرض حضارات متعاقبة وشعب متجذر في المكان.






شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.