
من اغتيال الجسد إلى اغتيال السردية… لماذا أصبحت الشخصيات الوطنية هدفًا لحروب الوعي؟ بقلم: المهندس غسان جابر
ليست أخطر الهزائم تلك التي تُقاس بعدد الشهداء أو حجم الدمار، بل تلك التي تُقاس بما يصيب وعي الشعوب من تشويش، وما يلحق بذاكرتها من تشويه، وما يعتري ثقتها برموزها من اهتزاز. فالاحتلال، منذ نشأته، لم يخض حربًا على الأرض وحدها، بل خاض حربًا على الرواية أيضًا، لأنه أدرك أن من يربح رواية التاريخ، يمتلك قدرة أكبر على التأثير في صناعة المستقبل.
لهذا لم يكن اغتيال الشخصيات الوطنية يومًا هدفًا بحد ذاته، بل كان وسيلة لإضعاف المشروع الذي تمثله، وإرباك المجتمع الذي تلتف حوله، وكسر الثقة بين الناس وقياداتهم. ومع تطور وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الاغتيال يحتاج إلى رصاصة أو عبوة ناسفة، بل أصبح يكفي مقطع مجتزأ، أو عنوان مثير، أو حملة منظمة، حتى تتحول الشكوك إلى أحكام، والانطباعات إلى حقائق، وتصبح السمعة هدفًا أسهل من الجسد.
لقد دخل العالم عصر حروب الوعي، ولم تعد الجيوش وحدها هي التي تخوض المعارك. فهناك من يقاتل بالكاميرا، ومن يقاتل بالمعلومة، ومن يقاتل بالصورة، ومن يقاتل بالكلمة. وفي هذا النوع من الحروب، لا يُستهدف من يحمل السلاح فقط، بل يُستهدف أيضًا من يحمل الرواية، ومن يمتلك القدرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغة يفهمها.
ولعل هذا هو التحول الأكبر الذي كشفته الحرب على غزة. فبعد عقود من احتكار الرواية الإسرائيلية لمساحات واسعة في الإعلام الغربي، بدأ العالم يشهد تحولًا تدريجيًا في الوعي. لم تعد فلسطين تُقدَّم بوصفها خبرًا عابرًا، بل قضية أخلاقية وسياسية وقانونية. خرجت الملايين إلى الساحات، وتحولت الجامعات الكبرى إلى منصات للنقاش، وبدأت مفاهيم الاحتلال، والفصل العنصري، وحقوق الإنسان، تدخل بقوة إلى الخطاب العام في الغرب.
هذا التحول لم يكن معجزة، ولم يكن نتاج لحظة عاطفية فرضتها مشاهد الحرب وحدها، بل هو حصيلة عقود من العمل التراكمي الذي قام به مفكرون وأطباء وأكاديميون وسياسيون وحقوقيون وإعلاميون، آمنوا بأن الدفاع عن فلسطين لا يكون في الميدان فقط، بل أيضًا في الجامعات، ووسائل الإعلام، والمحاكم الدولية، ومراكز الفكر.
ومن هنا يمكن فهم القيمة التاريخية لمدرسة وطنية فلسطينية ضمت أسماء بحجم الدكتور حيدر عبد الشافي، الذي جسّد النزاهة السياسية والتمسك بالقرار الوطني المستقل، والمهندس إبراهيم الدقاق، الذي ربط بين التنمية والصمود الوطني، والبروفيسور إدوارد سعيد، الذي نقل فلسطين من هامش الخطاب الأكاديمي الغربي إلى قلبه، قبل أن يواصل الدكتور مصطفى البرغوثي هذا المسار، من خلال حضوره المتواصل في الإعلام الدولي، مدافعًا عن الرواية الفلسطينية بلغة الحقوق والقانون والإنسان.
لم يكن هؤلاء متطابقين في كل الاجتهادات، ولم يطلبوا يومًا أن يكونوا فوق النقد، لكن ما جمعهم كان الإيمان بأن معركة الفلسطيني ليست فقط معركة تحرير الأرض، وإنما أيضًا معركة تحرير الحقيقة من التشويه.
ولذلك، فإن ما شهدناه في الأيام الأخيرة من جدل حول تصريحات الدكتور مصطفى البرغوثي ينبغي ألا يُقرأ بوصفه خلافًا على عبارة، بل بوصفه مناسبة للتأمل في سؤال أكبر: كيف نتعامل مع شخصياتنا الوطنية في زمن أصبحت فيه الكلمة جزءًا من ميدان المعركة؟
من حق أي مواطن أن ينتقد، وأن يعارض، وأن يناقش، فالنقد الموضوعي ضرورة لأي حياة سياسية سليمة. لكن من واجبنا أيضًا أن نفرق بين النقد الذي يبحث عن الحقيقة، والتشهير الذي يكتفي باجتزاء الحقيقة. فليس من العدالة أن تُختزل مسيرة سياسية امتدت لعقود في مقطع قصير، أو أن تُقرأ خطابات كاملة من خلال جملة انتُزعت من سياقها.
إن الشخصيات العامة ليست معصومة من الخطأ، لكنها أيضًا لا تُقاس بأخطائها وحدها، بل بمجموع ما قدمته، وبالأثر الذي تركته، وبالمشروع الذي حملته. ومن الإنصاف أن يُقرأ أي موقف في سياقه، وأن يُناقش بعقل بارد، لا بانفعال لحظة أو ضجيج منصة.
لقد قال الدكتور مصطفى البرغوثي يومًا:
“أنا أثق بإنسانية البشر، وأنا أثق بأن غالبية الناس يحملون قيمًا إنسانية إيجابية، ولذلك أنا مقتنع أنه إذا عرفوا الحقيقة سيتضامنون بالكامل مع الشعب الفلسطيني.”
قد يختلف البعض مع هذا الرهان، لكن الوقائع تشير إلى أن الرأي العام العالمي تغير بالفعل، وأن فلسطين لم تعد وحدها في معركة السردية كما كانت قبل سنوات. وليس من الإنصاف أن يُنسب هذا التحول إلى شخص واحد، كما أنه ليس من الإنصاف إنكار دور من ساهموا في صنعه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر هو أن تنشغل بمحاكمة حاملي الرواية أكثر من انشغالها بحماية الرواية نفسها. فالاختلاف السياسي مشروع، بل ضروري، أما تحويله إلى حملات تشكيك متبادلة، فإنه يستهلك طاقة المجتمع ويمنح خصومه فرصة مجانية لإضعافه.
ليست القضية أن نتفق مع الدكتور مصطفى البرغوثي، أو مع غيره من القادة، فالأشخاص يخطئون ويصيبون، وتتباين حولهم الآراء. القضية هي أن نحافظ على أخلاق الاختلاف، وأن ندرك أن حماية السردية الوطنية مسؤولية جماعية، وأن الكلمة التي تُقال في لحظة انفعال قد تُستثمر طويلًا في معركة لا يدرك كثيرون أنهم أصبحوا جزءًا منها.
لقد انتقل الصراع الفلسطيني من مرحلة كان فيها الاحتلال يخشى المقاتل، إلى مرحلة أصبح يخشى فيها أيضًا الطبيب الذي يخاطب العالم، والأكاديمي الذي يكتب، والحقوقي الذي يوثق، والصحفي الذي يكشف، والطالب الذي يهتف في جامعة بعيدة. لأن معركة القرن الحادي والعشرين لم تعد معركة البنادق وحدها، بل معركة العقول والضمائر.
لقد كان اغتيال الجسد محاولة لإسكات الصوت، أما اغتيال السردية فهو محاولة لإفقاد الصوت مصداقيته. وبين المحاولتين تكمن مسؤوليتنا الوطنية: أن نختلف بشرف، وأن ننتقد بإنصاف، وأن نحمي الحقيقة من أن تصبح أول ضحايا الانقسام.
فالأوطان لا تنهزم عندما يختلف أبناؤها، بل عندما ينسون أن معركتهم الكبرى ليست مع بعضهم، وإنما مع من يريد أن يصادر أرضهم، ويزور تاريخهم، ويحتكر روايتهم. وحين نحمي الرواية الفلسطينية من التشويه، فإننا لا ندافع عن شخص أو حزب، بل ندافع عن فلسطين نفسها.
المهندس غسان جابر – القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.