
وصيةٌ لا تموت ، بقلم : الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني م. محمد نبيل كبها
وصية لا تموت: هي وصية على لسان فلسطين، كتبها الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني م. محمد نبيل كبها يوثق فيها ندائه الأخير الموجه للعالم وللأمة أجمع بلسان حال فلسطين وآلامها منذ عقودٍ من القهر والموت، وأنها لا تستجدي عطفاً، بل لتحملهم أمانة الوجود، وألا يتركوها للنسيان كي لا ينساهم التاريخ.
وصيةٌ لا تموت / بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني م. محمد نبيل كبها
لم أكن يوماً عبئاً تاريخيًاً على أحد، أو حيزا جغرافيّاً تحده صخرة أو سياج كهربائي، بل تجذرا أنطولوجي في مواجهة المحو، فكرة فلسفية تقفز فوق أسوار السياسة وجدران الجغرافيا لتحدد هوية الأمة وتُشكل ماهيتها الموحدة.
يؤلمني سرقة كوفيتي، والعبث في مطبخي، وتحريف رقصتي، ومسح مدينتي! يوجعني تزييف اسمي، وطمس هويتي، وهدم مسجدي، دون أن يتحرك فيكم ساكناً؟!
هل باتت تؤنسكم إراقة دمي كل يوم في شريط الأنباء؟ ألم يحرك فيكم إنتاج الموت دوريّاً على جسدي أي ضمير؟! ألا يُخجلكم أن عروس عروبتكم أضحت مجرد حياة عارية تُغتصب وتُقتل يومياً دون أن يُعتبر ذلك جريمة حتى في نظر القاتل؟!
إن الموت المستمر لي لم يعد قدراً طبيعياً، بل صناعة تكنولوجية باردة ومخطط لها، لكن ما يكدرني ليس قدسية دمائي السائلة على نشرات أخباركم، بل الموت الأخلاقي للأمة، والتي لا يمكنني تأويلها سوى أنها إعلان وفاة للضمير الجمعي العالمي!
يعز علي سقوطي من حساباتكم.. يعز علي أن تعيش ضحيتي في غزة حالة من العبثية الكاموّية، يحز في نفسي أن أكتب عن دمي بحبري المقهور إزاء كيانات صورية كنت أظنهم يوماً من الأيام أخوتي وعائلتي؟!
أقف اليوم فوق أنقاضي لأفكك الحضارة وأعري الإنسانية بأكذوبة ما يسمى ب”حقوق الإنسان”، و”العدالة الوجودية”، و”الحق في الحياة”، فلم تكن يوما وثيقة حضارية، بل وثيقة بربرية، وما حدث حول جرح غزة المفتوح يشهد على عقمكم الإنساني والحضاري، وهو سقوط وجودي أخلاقي أمام وطأة بربرية منفوفة بأكذوبة.
إن تجريد ضحيتي من صفاتها الإنسانية، وتحويلها إلى مجرد رقم يُسجل يومياً دون أي وخز للضمير هو إشكالية فلسفية معقدة تتعلق بابتذال الشر، كيف لا وهي مازالت مجرد حدث محلي عابر في أعينكم، ولكنها في عيني زلزال يضرب أسس الفلسفة الإنسانية والأخلاقية للأمة!
أكتب إليكم ليس بمداد الحبر، بل بصرخات الأطفال ودموع الثكالى، أنسيتم من أنا؟! أنسيتم من أنا؟! أنا فلسطين..
أنا لست محطة عابرة، أن القدر الحتمي لكوكب الأرض، وطالما أن هناك طفل ينادي باسمي، وغجرية تعشق تفاصيلي، وكاتب يحفظ تاريخي، ومقاوم يحمل أرضي، فلن أموت! لن أموت.. هذه الرسالة الأولى للأجيال في فهم “فلسفة الصمود”، فالمعركة فوق أرضي هي معركة الوجود المشترك حول مسرى المصطفى، وبيت المسيح.
في الختام..
أقف أمامكم كصوتٍ للتاريخ، وكحارسٍ للهوية العربية والإسلامية، من أجل الخروج من هذا المأزق الوجودي الذي يتطلب تعرية الادعاء الغربي باحتكار “الأستاذية الأخلاقية” المنافقة، والقيم “الإنسانية العالمية” الكاذبة، وتشييد عهد كوني جديد يعيد للروح الإنسانية حرمتها وقدسيتها المطلقة، وللذات البشرية عزها وشرفها وكرامتها الراسخة.
وأحيطكم علماً أن حريتي حتمية ربانية وليست منحة من أحد، ولكن من هو المنشود الذي سيكتب الوثيقة التاريخية في فتح فلسطين وينال شرف تحريرها؟! الله تعالى أعلى وأعلم، وإلى أن يحين الوقت، ستبقى فلسطين الجرح المفتوح الشاهد على عقم هذه الأمة والتنازل عن روحها أمام الناس، وأمام رب الناس.
الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني م.محمد نبيل كبها
عضو الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.