
رجل نَسِيَهُ الزَمان
شعر: معاذ أحمد العالم
بردٌ ومطر
وعجوزٌ تكَوَّمَ في كوخِهِ حولَ المدفأةِ مِنَ البَردِ واستَقَر
وعَمَّرَ غَليونَه بالتُنباكِ وراحت تَنهَبُ عَقلَهُ الفِكَر
والنَّارُ تأكلُ عيدانَ الحَطب فَيطيرُ منها الكثيرُ مِنَ الشَّرَر
وسحاباتٌ مِنَ الدُّخانِ تتلوى أمام عينيهِ فيطيلُ فيها النَّظر
تأخُذَهُ إلى الوراءِ سِنيناً حين كان طرياً في عُمرِ الصِّغَر
كم كانت جميلةٌ الحياةَ والأيامُ تمضي بكُلِ سهولة ويُسر ؟
حين كان يَزورُ دكانَ أبيه في “حيفا” العامِر بالبضائِعِ وأشياءَ أُخَر
فيشتَري له الحَلوَى وما يُحبهُ ويَشتَهيهِ مِنْ ألعابٍ وصُور
ويأخُذَهُ يوم العطلةِ ليلهو في الرِّمالِ على شاطيءِ البحر
ويغوصُ في مياهِ البَحرِ ويأتيه بِحملٍ مِنَ الأصدافِ والدُّرَر
ليعودَ بها إلى البيتِ ويعملُ منها تُحَفاً كُلُ مَنْ يُشاهِدها يُسَر
أو يصطادُ له سَمكةً ذاتَ ألوانٍ قد أبدعَ اللهُ في خَلقِها وقدر
ويشتري له ثيابَ العيدِ ويَصطحِبهُ للصلاةِ في ساعَةِ السَّحر
ويُرافِقهُ في جولةٍ على الأقرباءِ مُهنِئاً بالعيدِ كما أرادَ اللهُ وأَمر
مضى الليلُ بَطيئاً وهو غارقٌ في أفكارِهِ لا يَحِسُ بالوَقتِ كيفَ يَمُر
شرارةٌ مِنَ النَّارِ طارت واستَقرَّت على قدمِهِ فأحرَقتهُ فتألمَ وافْتَكَر
صَحا على إثرِها مِنْ شُرودِهِ لِيَجِدَ نفسَهُ في كوخٍ مُتَهالكٍ مُحتَقَر
وحوله القليلُ من مَتاعِ الدُّنيا فحَمدَ الله َعليه وشَكَر
قَفَزَتْ إلى ذِهنِهِ صورةُ بِيتِهم بحيفا
وحولَهُ حديقةٌ جميلةٌ محاطةٌ بالشَّجر
ومَرجُوحةٌ تتدلى مِنْ شجرةِ التِينِ التي تحمِلُ الكَثيرَ مِنَ الثَّمر
ومُعَرّشُ الدَّالية تتدلى منها عَناقيدُ العِنب
كأنها ثُرياتٍ حين يَسقطُ عليها ضوءَ القمر
دمَعَتْ عيناهُ حينَ تَذكَّرَ والِدَهُ يَقْطِفُ
الوَردَ ليعملَ باقةً جميلةً يَفوُحُ منها العُطر
خَنقَتهُ الذِّكرى وهو يَرى نفسَهُ يُغالِبُ الوِحدة والبَرِد والمَطر
وتَمنَّى لو أن له عودةٌ لبِيتِهم في “حيفا” لِيُقبِّلَ قَبرَ والدَهُ والحَجَر
ويُسَلِّم الرَوح لبارئِها ليكونَ جاراً له في
الدُّنيا وحين يُحشر البَشر
بَكى بُكاءً شديداً تَبلَلَتْ منهُ وجنَتَاه على
ما فاتَ من عمرِهِ وعَبر
ثم جالَ بِبَصَرِهِ خارجَ الكوخِ فإذا
بالسَّحابِ قد غَطَّى السَّماءَ وانْتَشر
وانتصَفَ الليلُ ونَفِد* التُنباكُ مِن غليونِهِ
وانطفأت النَّارُ ورَمَد* الجَمر
جَففَ دموعَهُ وألقى بغليونِهِ جانباً وآوى
إلى فراشهِ فَسُلطانُ النومِ قدْ حَضَر
طلعَ الصَّباحُ ولم يغادرَ الفِراشَ كعادتِهِ
لِيَتفقدَ كُوخَهُ ويُصلحَ الضَرر
مَرَّ يومٌ ويومان وثلاثةُ أيامٍ ولم يسمعَ أحدٌ منه قَط أيَ خبر
تَفقده الجيران فإذا به قد فارقَ الحياةَ وتحللَ جَسدَهُ واندثر
وإلى جانبهِ عُثِرَ على قصاصةٍ خَطَّ فيها أجملَ العبر
أيها الدُّنيا وداعاً فقد مَلَّتْ مِنَ الحياةِ نفسي وقلبي اِنكَسر
- نَفِد: تعني الفناء والنضوب والانتهاء.
- رَمَد: تحول إلى رماد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.