
105 أعوام من صناعة النهضة.. كيف قاد الحزب الشيوعي الصيني مسيرة تحول غيرت وجه الصين والعالم؟ بقلم : صفية يحي
نقلاً عن CGTN – – في الأول من يوليو، تحل الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، وهي مناسبة لا تُقرأ بوصفها محطة في تاريخ حزب سياسي فحسب، وإنما بوصفها مناسبة لاستحضار مسيرة دولة استطاعت، خلال قرن واحد تقريباً، أن تنتقل من تحديات الفقر والانقسام والتخلف إلى موقع متقدم بين القوى الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى في العالم.
لقد ارتبط تاريخ الصين الحديثة ارتباطاً وثيقاً بمسيرة الحزب الشيوعي الصيني، الذي قاد البلاد عبر مراحل التحرر الوطني، وبناء الدولة، والإصلاح والانفتاح، وصولاً إلى مرحلة التحديث صيني النمط، وهي مسيرة لم تكن مجرد انتقال في المؤشرات الاقتصادية، بل إعادة صياغة شاملة لمفهوم التنمية، بحيث أصبح الإنسان محور السياسات، وأصبحت التنمية هدفاً ووسيلة في آن واحد.
وعندما ننظر إلى الصين اليوم، فإننا لا نتحدث فقط عن ثاني أكبر اقتصاد في العالم، أو عن أكبر دولة تجارية، أو عن واحدة من أهم القوى الصناعية، بل نتحدث عن تجربة تنموية متكاملة استطاعت الجمع بين الاستقرار، والإصلاح، والابتكار، والانفتاح، ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى حافظت على استمرارية السياسات، وقدرتها على الاستجابة للتحولات العالمية.
ومن أبرز ما يميز هذه التجربة أنها لم تكتف بتحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل ركزت على تحسين جودة التنمية. فقد نجحت الصين في القضاء على الفقر المدقع وفق المعايير الوطنية، ورفعت مستويات المعيشة بصورة مستمرة، ووسعت الطبقة المتوسطة، واستثمرت في التعليم والصحة والبحث العلمي، كما شيدت واحدة من أكثر شبكات البنية التحتية تطوراً في العالم، بما في ذلك السكك الحديدية فائقة السرعة، والموانئ الذكية، والبنية الرقمية الحديثة.
ولعل أحد أسرار نجاح التجربة الصينية يكمن في الإيمان بالتخطيط طويل الأجل. فالخطط الخمسية لم تكن مجرد برامج حكومية، بل مثلت آلية مؤسسية لترجمة الأهداف الاستراتيجية إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وهو ما وفر قدراً كبيراً من الاستقرار والاستمرارية، وأتاح للصين التعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية بثقة ومرونة.
وفي السنوات الأخيرة، دخلت الصين مرحلة جديدة من التنمية تقوم على الابتكار باعتباره المحرك الأول للنمو، وعلى التنمية عالية الجودة باعتبارها المسار الرئيس لبناء اقتصاد أكثر كفاءة واستدامة. وفي هذا السياق، حققت الصين تقدماً ملحوظاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا المتقدمة، لتصبح من أبرز مراكز الابتكار على المستوى العالمي.
ولم يقتصر أثر هذه المسيرة على الداخل الصيني، بل امتد إلى الساحة الدولية. فمن خلال الانفتاح الاقتصادي، وتعميق التعاون مع مختلف الدول، وتعزيز مبادرة الحزام والطريق، قدمت الصين نموذجاً للتعاون القائم على المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة، كما واصلت الدعوة إلى بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، انطلاقاً من قناعة بأن التحديات العالمية تتطلب شراكات أوسع، وحلولاً تقوم على الحوار والتعاون.
وفي السياق السوداني، يمكن النظر إلى التجربة الصينية باعتبارها مرجعاً عملياً مهماً يمكن أن يُلهم مسارات التنمية في ، خاصة في ما يتعلق بأهمية التخطيط طويل الأجل، ووضع التنمية في إطار رؤية دولة تتجاوز التقلبات السياسية قصيرة المدى، إلى جانب التركيز على البنية التحتية باعتبارها أساساً للنمو الاقتصادي، وتعزيز دور الدولة في توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية. كما تبرز أهمية التجربة الصينية في إثبات أن الاستثمار في الإنسان—تعليماً وصحةً وتأهيلاً—هو المدخل الأكثر استدامة لأي نهضة اقتصادية حقيقية، وهو ما يشكل نقطة التقاء رئيسية مع التحديات التنموية التي تواجه السودان اليوم.
إن التجربة الصينية، في هذا الإطار، لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تقدم نموذجاً تحليلياً يمكن أن يساعد في إعادة التفكير في أولويات التنمية، وربطها بالاستقرار المؤسسي والقدرة على التنفيذ طويل الأمد.
إن مسيرة الحزب الشيوعي الصيني خلال 105 أعوام تقدم درساً مفاده أن النهضة الوطنية لا تُبنى في سنوات قليلة، بل عبر رؤية استراتيجية، وعمل مؤسسي متواصل، واستثمار في الإنسان، وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. وهي مسيرة لا تزال فصولها تُكتب، فيما تواصل الصين بثبات السير نحو مستقبل أكثر ازدهاراً، وأكثر انفتاحاً، وأكثر إسهاماً في بناء عالم يسوده السلام والتنمية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.