
بعد انعقاد المؤتمر الثامن .. تجديد البنية القيادية وصناعة البدائل ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
ليست القيمة الحقيقية للمؤتمر الثامن في أنه أنهى مرحلة تنظيمية وبدأ أخرى، وإنما في قدرته على إحداث تحول نوعي في طريقة بناء القيادة وإدارة الموارد البشرية داخل الحركة. فالتحديات الوطنية والتنظيمية المتسارعة تفرض الانتقال من ثقافة الاعتماد على القيادات التقليدية إلى ثقافة صناعة القيادات، ومن ردود الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي لإعداد أجيال متعاقبة تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على قيادة العمل التنظيمي في مختلف المراحل. ومن هنا، فإن تجديد البنية القيادية وصناعة البدائل لم يعودا خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة لضمان استمرارية الحركة وتعزيز قدرتها على مواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة.
لقد أثبتت التجارب أن التنظيمات القوية لا تُبنى على الأشخاص مهما كانت مكانتهم، وإنما على مؤسسات تمتلك القدرة على إنتاج قيادات جديدة بصورة مستمرة، وتوفير بدائل مؤهلة لتولي المسؤولية في مختلف المستويات التنظيمية. فاستمرارية أي حركة وطنية مرهونة بقدرتها على اكتشاف الطاقات، وتنمية الكفاءات، وإعداد القيادات قبل أن تصبح الحاجة إليها ملحة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية استقطاب الكفاءات والخبرات من مختلف المواقع التنظيمية والمهنية والأكاديمية، والاستفادة من الطاقات التي لم تتح لها الفرصة الكافية للمشاركة في صناعة القرار. فالحركة تمتلك رصيدًا كبيرًا من الكفاءات العلمية والإدارية والميدانية، ويجب أن تتحول هذه الطاقات إلى جزء فاعل من عملية البناء التنظيمي، بعيدًا عن أي اعتبارات لا تخدم المصلحة العامة.
كما أن إعداد الصفين الثاني والثالث ينبغي أن يصبح برنامجًا مؤسسيًا دائمًا، وليس مجرد استجابة لظروف مؤقتة. ويتطلب ذلك وضع خطط متكاملة للتأهيل والتدريب، وإشراك الكوادر الشابة في مواقع المسؤولية، ومنحها الفرصة لاكتساب الخبرة من خلال العمل الميداني والمشاركة في صناعة القرار، بما يضمن انتقالًا سلسًا للقيادة ويؤسس لاستقرار تنظيمي طويل الأمد.
ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء بنك معلومات للقيادات المستقبلية، يضم قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للكفاءات والخبرات والتخصصات والمهارات والسجل التنظيمي لكل كادر. فوجود مثل هذا البنك يساعد القيادة على اتخاذ قرارات مدروسة عند التكليف أو التعيين، ويضمن الاستفادة من أفضل الطاقات وفق معايير موضوعية، بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية أو الاختيارات غير المبنية على أسس مؤسسية.
وفي السياق ذاته، فإن تطوير آليات التكليف والاختيار يمثل أحد أهم متطلبات المرحلة المقبلة. فالمواقع التنظيمية يجب أن تُمنح على أساس الكفاءة، والنزاهة، والقدرة على الإنجاز، والانضباط التنظيمي، وروح المبادرة، والعمل الجماعي، مع اعتماد معايير واضحة وشفافة تخضع للمراجعة والتقييم بصورة دورية، بما يعزز ثقة الكوادر بعدالة الإجراءات ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص.
إن تجديد البنية القيادية لا يعني إقصاء أصحاب الخبرة أو التقليل من دورهم، بل يقوم على تحقيق التكامل بين الخبرة المتراكمة والطاقة المتجددة، وبين القيادات التي صنعت التجربة والكوادر التي تستعد لحمل الأمانة. فنجاح أي حركة وطنية يكمن في قدرتها على نقل الخبرة من جيل إلى آخر، وصناعة قيادات جديدة دون أن تخسر إرثها التنظيمي.
وبعد انعقاد المؤتمر الثامن، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار من يتولى المواقع القيادية فحسب، بل في بناء منظومة مؤسسية مستدامة لإنتاج القيادات وتجديدها بصورة مستمرة. فالحركة التي تستثمر في الإنسان، وتخطط للمستقبل، وتبني البدائل قبل الحاجة إليها، ستكون الأقدر على حماية وحدتها، وتعزيز حضورها، ومواصلة دورها الوطني في قيادة المشروع الفلسطيني وتحقيق تطلعات شعبنا في الحرية والاستقلال.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.