
الأزمة المالية الفلسطينية: من التحذير إلى إعادة هندسة الاقتصاد الوطني ، بقلم: د. عماد سالم
حين يطلق معالي وزير المالية والتخطيط الفلسطيني، د. اسطيفان سلامة، تحذيراً واضحاً بأن الأزمة المالية التي تمر بها فلسطين “حقيقية وعميقة جداً” وأنها باتت تمسّ الوجود الفلسطيني ذاته، فإن هذا التصريح لا يمكن قراءته باعتباره توصيفاً تقنيياً لوضع مالي ضاغط، بل بوصفه إنذاراً استراتيجياً يعكس حجم الاختلالات البنيوية التي تراكمت عبر سنوات طويلة من التعقيد السياسي والاقتصادي والمالي.
فالأزمة الحالية لم تعد مجرد فجوة في الموازنة العامة أو تأخير في صرف الرواتب، بل أصبحت تعبيراً عن اختلال أوسع في بنية الاقتصاد الفلسطيني ذاته، الذي يتعرض لضغوط متزامنة تشمل احتجاز أموال المقاصة، وتراجع الدعم الخارجي، والانكماش الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتزايد الأعباء الاجتماعية في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: هل ما زال النموذج الاقتصادي الفلسطيني القائم قادراً على الاستمرار بصيغته الحالية؟
لقد أثبتت التجربة أن الاقتصاد الذي يعتمد بشكل كبير على مصادر دخل غير مستقرة، وعلى إيرادات لا تخضع لسيطرة وطنية كاملة، يظل اقتصاداً هشاً ومعرضاً للصدمات المتكررة. ومن هنا، فإن الاكتفاء بإدارة الأزمة لم يعد خيارًا كافيًا، بل بات من الضروري الانتقال إلى مرحلة إعادة هندسة الاقتصاد الفلسطيني على أسس إنتاجية أكثر استدامة.
في هذا السياق، يصبح مفهوم الاقتصاد المنتج هو المدخل الحقيقي لأي تحول اقتصادي جاد، من خلال إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على خلق القيمة المضافة، وفي مقدمتها الزراعة، والصناعة، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي. فهذه القطاعات لا توفر فقط فرص عمل، بل تؤسس لقاعدة اقتصادية أكثر استقلالاً وقدرة على الصمود.
وفي قلب هذا التحول، يبرز التعليم والتدريب المهني والتقني كأحد أهم ركائز بناء الاقتصاد المنتج. إذ لم يعد بالإمكان معالجة اختلالات سوق العمل أو ارتفاع معدلات البطالة من خلال التعليم الأكاديمي وحده، بل من خلال إعادة الاعتبار للمسارات المهنية والتقنية باعتبارها مسارات إنتاجية استراتيجية.
إن تطوير هذا القطاع يمثل استثماراً مباشرراً في رأس المال البشري، ويشكل أداة فعالة لربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتمكين الشباب من اكتساب مهارات تطبيقية في مجالات الزراعة الحديثة، والصناعة، والطاقة، والتكنولوجيا، والخدمات المتقدمة. كما يسهم في تعزيز ثقافة ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما يخفف الضغط على القطاع العام، ويخلق ديناميات اقتصادية جديدة داخل المجتمع.
وعليه، فإن النهوض بالتعليم والتدريب المهني والتقني لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية تستوجب سياسات واضحة، تشمل تحديث المناهج، وتطوير البنية التحتية للتدريب، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وربط البرامج التدريبية مباشرة باحتياجات السوق، إلى جانب العمل على تغيير الصورة النمطية الاجتماعية تجاه العمل المهني باعتباره عملاً إنتاجياً ذا قيمة عالية.
أما على صعيد الإدارة المالية، فإن الخروج من الأزمة يتطلب ما هو أبعد من الإجراءات التقشفية قصيرة الأمد، نحو إصلاح مالي وإداري شامل يعزز الشفافية، ويحسن كفاءة الإنفاق العام، ويكافح التهرب الضريبي، ويوسع القاعدة الإنتاجية، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة.
ولا يمكن إغفال أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية مباشرة في دعم صمود الاقتصاد الفلسطيني، ليس فقط عبر المساعدات، بل أيضًا من خلال الضغط لوقف الممارسات التي تعيق التدفق المالي الطبيعي للاقتصاد، وفي مقدمتها احتجاز أموال المقاصة، التي تمثل حقاً مالياً فلسطينياً أصيلًا.
إن ما طرحه وزير المالية والتخطيط د. اسطيفان سلامة يجب أن يُفهم باعتباره دعوة لإعادة فتح نقاش وطني شامل حول مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، بمشاركة الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني، بهدف صياغة رؤية اقتصادية جديدة تتجاوز إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.
لقد علمتنا التجارب الدولية أن الأزمات المالية الكبرى لا تُحل بالمسكنات المؤقتة، بل بإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، واستثمار الإنسان، وتعزيز الشراكات، وخلق بيئة اقتصادية قادرة على النمو الذاتي والاستدامة.
إن فلسطين اليوم بحاجة إلى مشروع اقتصادي وطني لا يقل أهمية عن مشروعها السياسي، فالقوة الاقتصادية أصبحت أحد أهم عناصر الصمود الوطني، وركيزة أساسية لحماية القرار الوطني وتعزيز قدرة المجتمع على الثبات.
ومن هنا، فإن التحذير الصادر عن وزير المالية والتخطيط ليس مجرد توصيف لحالة مالية صعبة، بل هو دعوة صريحة للانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة التحول، ومن اقتصاد هش إلى اقتصاد منتج، ومن سياسات قصيرة المدى إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد قادرة على إعادة بناء الأساس الاقتصادي للدولة الفلسطينية.
- – د. عماد سالم – باحث وخبير في التعليم والتدريب المهني والتقني، وسوق العمل، والسياسات العامة والتنمية الاقتصادية
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.