
105 أعوام من الحزب الشيوعي الصيني: عندما تتحول الفكرة إلى مشروع حضاري ، بقلم : محمد علوش
( خاص لـ شفا )
تحل الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، فيما تقف الصين اليوم بوصفها إحدى أبرز القوى المؤثرة في إعادة تشكيل النظام الدولي، بعد مسيرة تاريخية طويلة انتقلت خلالها من واقع التجزئة والفقر والتبعية إلى دولة عظمى تمتلك ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتتبوأ مواقع متقدمة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والصناعة والبنية التحتية والتنمية البشرية، مقدمة رؤية مختلفة لمستقبل التنمية والعلاقات الدولية.
ولعل ما يميز تجربة الحزب الشيوعي الصيني أنها لم تكن مجرد تجربة سياسية في إدارة الدولة، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً استطاع أن يحافظ على ثوابته الفكرية، وفي الوقت ذاته امتلك القدرة على مراجعة أدواته وتجديد آليات عمله بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم، فمنذ تأسيسه عام 1921، خاض الحزب مراحل معقدة من النضال الوطني والثورة وبناء الدولة والإصلاح والانفتاح، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي يواصل فيها، بثقة واقتدار، مسيرة بناء الدولة الاشتراكية الحديثة على نحو شامل.
إن قراءة التجربة الصينية تكشف أن سر نجاحها لم يكن في الجمود على النصوص أو الاكتفاء بالشعارات، بل في تحويل الماركسية إلى منهج حي قادر على التفاعل مع الواقع الوطني ومتطلبات العصر، ومن هنا برز مفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية بوصفه أحد أبرز الإسهامات الفكرية والسياسية في تاريخ الحركة الاشتراكية المعاصرة، إذ نجح في الجمع بين قيادة الحزب، وآليات السوق، والتخطيط الاستراتيجي للدولة، والانفتاح على العالم، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي للتنمية وتحقيق الازدهار المشترك.
وفي العصر الجديد، شهدت هذه الرؤية تطوراً نوعياً من خلال الفكر الذي طرحه شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وهو فكر لم يقتصر على تطوير الأداء الاقتصادي، بل أعاد صياغة العلاقة بين التنمية والعدالة الاجتماعية، وبين الحداثة والاستقرار، وبين القوة الوطنية والمسؤولية الدولية، وأصبحت التنمية عالية الجودة، والابتكار العلمي، والتنمية الخضراء، والازدهار المشترك، والقضاء على الفقر المدقع، وتعزيز الحوكمة، وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، مرتكزات رئيسية للمرحلة الجديدة من مسيرة الحزب.
لقد أثبتت الصين أن بناء الاشتراكية لا يخضع لقوالب جامدة أو نماذج مستوردة، وإنما يرتبط بالخصوصية التاريخية والحضارية والثقافية لكل شعب، ومن هنا جاءت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية تعبيراً عن قدرة الحزب على المواءمة بين المبادئ العامة للاشتراكية ومتطلبات الواقع الصيني، وهي تجربة تستحق الدراسة بموضوعية، بعيداً عن الأحكام الأيديولوجية المسبقة، لأنها تقدم نموذجاً عملياً لكيفية توظيف الفكر في خدمة التنمية الوطنية.
ولم يكن النجاح الاقتصادي الذي حققته الصين مجرد أرقام في مؤشرات النمو، بل انعكس بصورة مباشرة على حياة مئات الملايين من المواطنين الذين انتقلوا من دائرة الفقر إلى مستويات معيشية غير مسبوقة، كما استطاعت الدولة أن تؤسس قاعدة صناعية وتكنولوجية هائلة، وأن تتحول إلى شريك رئيسي في الاقتصاد العالمي، مع الحفاظ على استقلالية قرارها الوطني، وهو إنجاز يؤكد أن التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى يشكل أحد أبرز عناصر عبقرية الحزب في قيادة الدولة وإدارة عملية التنمية.
وعلى الصعيد الدولي، قدمت الصين نموذجاً مختلفاً في العلاقات الدولية، يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتعزيز التعاون لتحقيق المنفعة المتبادلة، وانعكس ذلك في مبادراتها الدولية، وفي مقدمتها مبادرة “الحزام والطريق”، التي تعكس رؤية تنموية تتجاوز منطق الهيمنة والصراعات، وتؤكد أهمية بناء شراكات قائمة على التنمية والسلام والتكامل الاقتصادي.
ومن موقعنا الفلسطيني، لا يمكن الحديث عن الحزب الشيوعي الصيني دون التوقف أمام العلاقات التاريخية التي ربطته بالقضية الفلسطينية، حيث وقفت الصين، على امتداد عقود، إلى جانب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وأكدت باستمرار دعمها لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس، ورفضها سياسات الاحتلال والاستيطان، وإيمانها بأن السلام العادل والدائم لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره.
كما تمثل العلاقات التي تربط جبهة النضال الشعبي الفلسطيني بالحزب الشيوعي الصيني نموذجاً متقدماً للعلاقات الحزبية القائمة على الحوار والاحترام المتبادل والتعاون السياسي والفكري، فقد شهدت هذه العلاقات تطوراً متواصلاً خلال السنوات الأخيرة عبر تبادل الزيارات، وتنظيم الحوارات الفكرية، والبرامج التدريبية، وتعزيز التنسيق السياسي، بما يعكس عمق الثقة التي تجمع الطرفين، والإيمان المشترك بأهمية الحوار بين القوى التقدمية في مواجهة التحديات الدولية.
وخلال مشاركتي في العديد من اللقاءات والحوارات مع قيادات الحزب، وآخرها المقابلة التي أجرتها معي قناة CGTN بمناسبة الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب، تعززت قناعتي بأن سر قوة هذه التجربة لا يكمن في الإنجازات الاقتصادية وحدها، بل في امتلاك الحزب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ومؤسسات راسخة تتمتع بقدرة عالية على التعلم، والتقييم الذاتي، والتخطيط للمستقبل، وهي عناصر أساسية حافظت على حيوية الحزب وقدرته على مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
وعلى المستوى الشخصي، فإن معرفتي بهذه التجربة تتطور باستمرار، وكلما تعمقت في دراسة الفكر السياسي للحزب ومسيرة تطوره، ازداد إعجابي بقدرته على الجمع بين الثبات والتجديد، وبين الهوية الوطنية والانفتاح على العالم، وبين القيادة السياسية والكفاءة المؤسسية.
إنها تجربة تؤكد أن النجاح لا تصنعه الشعارات، وإنما تصنعه الإرادة السياسية، والانضباط التنظيمي، والتخطيط العلمي، والإيمان بأن التنمية الشاملة هي السبيل الحقيقي لتعزيز قوة الدولة وصون كرامة الإنسان.
إن الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني ليست مناسبة احتفالية فحسب، بل محطة للتأمل في واحدة من أهم التجارب السياسية والتنموية في العصر الحديث، فمن خلال مسيرة امتدت لأكثر من قرن، استطاع الحزب أن يقدم نموذجاً متفرداً في بناء الدولة الحديثة، وأن يبرهن أن الاشتراكية قادرة على التجدد والإبداع متى انطلقت من واقع المجتمع واستجابت لمتطلبات العصر.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة وإعادة رسم لموازين القوى الدولية، تبدو التجربة الصينية أكثر حضوراً وتأثيراً، ليس لأنها تقدم وصفة جاهزة يمكن استنساخها، بل لأنها تؤكد أن لكل شعب طريقه الخاص نحو التنمية والنهضة، وأن نجاح أي مشروع سياسي يظل مرهوناً بقدرته على قراءة الواقع، والاستفادة من دروس التاريخ، واستشراف المستقبل بثقة ومسؤولية.
واليوم، وهو يدخل عامه السادس بعد المائة، لا يحتفي الحزب الشيوعي الصيني بمنجزاته التاريخية فحسب، بل يواصل، بثقة وثبات، قيادة مسيرة بناء الدولة الاشتراكية الحديثة على نحو شامل، وترسيخ مكانة الصين بوصفها قوة دولية كبرى تسهم في بناء عالم أكثر توازناً وعدالة وتعاوناً، مستندًا إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من تجربته واحدة من أبرز تجارب النهضة الوطنية في القرن الحادي والعشرين.
⦁ محمد علوش – عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.