10:47 صباحًا / 24 يونيو، 2026
آخر الاخبار

حين تتكلم البيانات .. فمن يحرس الكلمات؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

حين تتكلم البيانات .. فمن يحرس الكلمات؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي

في زمن الأزمات، تصبح الكلمة أكثر من مجرد حروف مصطفة على الورق؛ تتحول إلى موقف، وإشارة، وربما إلى شرارة. ولهذا لم تكن البيانات التي تصدر عن الأحزاب أو المؤسسات أو الجمعيات أو العائلات أو القبائل مجرد نصوص عابرة، بل كانت دائماً مرآة تعكس مستوى الوعي والمسؤولية لدى أصحابها.

فالبيان، في جوهره، ليس إعلاناً للغضب ولا منصة لتوزيع الاتهامات، بل رسالة يفترض أن تحمل قدراً من الحكمة يوازي حجم تأثيرها. وما أسهل أن تُكتب الكلمات في لحظة انفعال، وما أصعب أن تُطفأ الحرائق التي قد تشعلها تلك الكلمات لاحقاً.

كم من بيانٍ كُتب بقصد الدفاع عن قضية، فانتهى إلى صناعة خصومة! وكم من موقف أُريد له أن يحمي الجماعة، فإذا به يزرع الشقاق بين أبنائها! فالكلمات، شأنها شأن النار، تمنح الدفء إذا أُحسن استخدامها، وتحرق إذا انفلتت من ضوابط العقل والمسؤولية.

وحين تصدر البيانات عن جهات تحظى بمكانة اجتماعية أو وطنية، فإن مسؤوليتها تتضاعف. فالمؤسسات ليست أفراداً عابرين في فضاء الرأي، والعائلات ليست مجرد أسماء، والقبائل ليست تجمعات مؤقتة، والأحزاب ليست أصواتاً منفردة. لكل منها وزن معنوي، ولكل كلمة تصدر عنها أثر قد يمتد أبعد مما يتوقعه أصحابها.

ولذلك فإن قوة البيان لا تُقاس بحدة عباراته، ولا بارتفاع سقف الاتهامات التي يتضمنها، بل بقدرته على الجمع لا التفريق، وعلى الإقناع لا التخويف، وعلى بناء الجسور لا إقامة المتاريس. فالمجتمعات المتماسكة لا تحتاج إلى المزيد من الأصوات الغاضبة، بقدر حاجتها إلى أصوات عاقلة تعرف كيف تختلف دون أن تنقسم، وكيف تنتقد دون أن تهدم.

إن حق التعبير قيمة عظيمة، لكنه يكتمل حين يقترن بالمسؤولية. فالحرية التي لا يحرسها الوعي قد تتحول إلى فوضى، والكلمة التي لا يضبطها الضمير قد تتحول إلى أداة هدم بدل أن تكون وسيلة بناء.

وفي الأوطان التي تواجه التحديات الكبرى، تصبح الحكمة واجباً وطنياً لا فضيلة اختيارية. هناك، لا يُسأل أصحاب البيانات فقط: ماذا قلتم؟ بل يُسألون أيضاً: ماذا تركت كلماتكم في النفوس؟ وهل قربت الناس من بعضهم أم دفعتهم إلى مزيد من التباعد؟

فحين تتكلم البيانات، ينبغي أن تتقدم الحكمة قبل الحماسة، وأن يسبق العقل الانفعال، وأن يبقى القانون والأخلاق حارسين للكلمات، حتى لا تتحول الرسائل المكتوبة إلى جدران جديدة تفصل أبناء المجتمع الواحد.

لأن الأوطان تُبنى بالكلمة المسؤولة، كما قد تُرهق بالكلمة المنفلتة. وبين الكلمتين، تتحدد ملامح المستقبل.

شاهد أيضاً

اتحاد الجالية الفلسطينية في السويد يشارك في أسبوع السياسة بألميدالين

اتحاد الجالية الفلسطينية في السويد يشارك في أسبوع السياسة بألميدالين

شفا – شارك اتحاد الجالية الفلسطينية في السويد، ممثلاً بالأخ ياسر الشوبكي، في فعاليات أسبوع …