
شركاء في الدم… شركاء في القرار ، مشاركة الشتات الفلسطيني ضرورة وطنية واستثمار استراتيجي لمستقبل القضية ، بقلم : أحمد سليمان
لم يعد مقبولاً أن يبقى ملايين الفلسطينيين في الشتات على هامش صناعة القرار الوطني، وهم الذين دفعوا أثمان النكبة والتهجير واللجوء، وما زالوا يحملون راية فلسطين في مختلف أنحاء العالم. فكما كانوا شركاء في الدم والتضحيات، يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في القرار الوطني الفلسطيني.
إن وجود أكثر من نصف الشعب الفلسطيني خارج الوطن يفرض على القيادة الفلسطينية إعادة النظر في آليات التمثيل الوطني، وتعزيز حضور أبناء الشتات في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني، باعتباره البرلمان الجامع لكل الفلسطينيين أينما وجدوا.
ويرى أحمد سليمان أن المرحلة القادمة تتطلب رؤية وطنية جديدة تستند إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية وعدم حصر القرار الوطني ضمن حدود جغرافية محددة، فالقضية الفلسطينية اليوم تخاض في العواصم العالمية كما تخاض على أرض فلسطين. والجاليات الفلسطينية في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا والعالم العربي أصبحت تمتلك أدوات تأثير سياسية وإعلامية وقانونية واقتصادية يجب استثمارها بشكل أفضل لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني.
ويؤكد سليمان أن الفلسطينيين في الشتات لم يعودوا مجرد جاليات تعيش خارج الوطن، بل أصبحوا جزءاً من النخب السياسية والاقتصادية والعلمية في الدول التي يقيمون فيها. فقد وصل الفلسطينيون إلى أعلى المناصب في العديد من الدول، من رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء وأعضاء برلمانات ورؤساء بلديات، إلى جانب حضورهم المؤثر كعلماء وأكاديميين ورجال أعمال وصناع قرار اقتصادي. وهذا النجاح لا يجب أن يُنظر إليه كإنجاز فردي فحسب، بل كرصيد وطني يمكن أن يشكل قوة إضافية لفلسطين وقضيتها العادلة إذا ما تم استثماره ضمن رؤية وطنية شاملة.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن أبناء الجاليات الفلسطينية كانوا في طليعة المدافعين عن حقوق شعبهم، حيث نظموا المظاهرات والاعتصامات، وشاركوا في الحملات القانونية والإعلامية، وأسهموا في إيصال الرواية الفلسطينية إلى البرلمانات ووسائل الإعلام والمؤسسات الدولية. وهذا الدور يجب أن يتحول من جهود فردية متفرقة إلى استراتيجية وطنية متكاملة تستفيد من الكفاءات والخبرات الفلسطينية المنتشرة حول العالم.
ويشير سليمان إلى أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في جيل الشباب الفلسطيني في الخارج، فهم الأكثر قدرة على مخاطبة المجتمعات الغربية بلغاتها وثقافاتها، والأكثر قدرة على استخدام أدوات الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي لنقل الحقيقة الفلسطينية ومواجهة محاولات طمس الرواية الوطنية. فالمعركة اليوم ليست سياسية أو دبلوماسية فقط، بل هي أيضاً معركة وعي ورواية وصورة.
ورغم ما يتمتع به أبناء الشعب الفلسطيني في دول اللجوء والشتات من حقوق وامتيازات وفرص حياة مستقرة، إلا أنهم حافظوا على هويتهم الوطنية وتمسكوا بحقهم التاريخي في العودة إلى مدنهم وقراهم التي هُجّر منها آباؤهم وأجدادهم عام 1948. وهذا التمسك لم يكن شعاراً سياسياً عابراً، بل أصبح جزءاً أصيلاً من الهوية الفلسطينية التي تنتقل من جيل إلى جيل.
ويرى سليمان أن الدليل الأوضح على ذلك يكمن في الأجيال الجديدة التي وُلدت بعيداً عن فلسطين. فبإمكان أي شخص أن يوجه سؤالاً لطفل فلسطيني لم يتجاوز الخامسة من عمره: “من أين أنت؟” فيجيب باسم قريته أو مدينته الفلسطينية الأصلية، فيقول مثلاً: “أنا من دير الأسد – قضاء عكا”، ولا يعرّف نفسه بالمدينة الأوروبية أو الأمريكية التي وُلد فيها. وهنا يكمن الجواب الحقيقي على كل من يشكك بتمسك الفلسطينيين بحقوقهم الوطنية؛ فالوطن ما زال حاضراً في الذاكرة والوجدان والهوية رغم عقود المنفى والاغتراب.
ويؤكد سليمان أن هذا الارتباط العميق بالأرض والتاريخ يثبت أن حق العودة ما زال حياً في وجدان الفلسطينيين أينما وجدوا، وأن أبناء الشتات ما زالوا يرون في منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والإطار الوطني الجامع الذي يجب أن يضم جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة للانتقال من مرحلة الأقوال إلى مرحلة الأفعال، عبر ضمان تمثيل حقيقي وعادل للفلسطينيين في الخارج داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وإشراكهم بصورة فاعلة في المجلس الوطني الفلسطيني وفي عملية صنع القرار الوطني، بما ينسجم مع حجمهم ودورهم وإسهاماتهم السياسية والاقتصادية والثقافية.
كما أن تطوير آليات الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني بات ضرورة وطنية ملحة، من خلال بناء شبكات قانونية وإعلامية ودبلوماسية تضم الكفاءات الفلسطينية المنتشرة في مختلف دول العالم، وتعمل بشكل منظم تحت مظلة وطنية جامعة، بما يعزز الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية ويدافع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن الحديث عن نهضة وطنية حقيقية دون تعزيز دور المرأة الفلسطينية في مواقع القيادة وصنع القرار. فالمرأة الفلسطينية كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في مسيرة النضال الوطني، وقدمت التضحيات جنباً إلى جنب مع الرجل، ومن حقها أن تكون شريكاً كاملاً في رسم مستقبل الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية.
ويشدد سليمان على أن الوحدة الوطنية الفلسطينية تبقى الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه جميع الجهود المستقبلية. فالعالم لا يريد أن يرى شعباً منقسماً، بل يريد أن يرى شعباً موحداً تحت علم فلسطين، ملتفاً حول مشروع وطني جامع يستند إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ويطالب سليمان القيادة الفلسطينية بإطلاق حوار وطني شامل حول آليات تمثيل الفلسطينيين في الخارج، وإقرار برامج واضحة لتمكين الشباب والمرأة، وتعزيز مشاركة الجاليات الفلسطينية في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، بما يضمن شراكة حقيقية لجميع أبناء الشعب الفلسطيني في صناعة القرار الوطني.
فالفلسطينيون كانوا شركاء في الدم والتضحيات على امتداد عقود النضال، ومن حقهم أن يكونوا شركاء في القرار. وعندما يصبح الفلسطيني في الوطن والشتات شريكاً متساوياً في المسؤولية والتمثيل وصناعة القرار، فإن القضية الفلسطينية ستكون أكثر قوة وقدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال والعودة.
شركاء في الدم… شركاء في القرار، وتحت علم فلسطين وحده تتجسد وحدة الشعب والقضية والمصير .
- – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.