
“كيف نُربي فلسطين من جديد؟: الاغتراب الوجداني واستعادة التربية في القرب” ، بقلم : نسيم قبها
بيداغوجيا الحواس المفتوحة
نحن أبناء الجغرافيا الضيقة. قبل ثلاثة عقود، كانت المسافات بين مدننا الفلسطينية شاسعة، ليس بالمقياس الفيزيائي فقط، بل بمنطق الاحتلال الذي زرع الحواجز والجدران. كنا بعيدين مكانياً، لكن شيئاً ما كان يجعل جنين تتنفس بآلام غزة، والخليل تبكي على جرح نابلس. كان التضامن يختصر المسافات، ويجعل من فلسطين جسداً واحداً، إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد.
هنا يكمن سرّ “التربية التضامنية” غير الممنهجة. لقد نشأنا على “فضاء السرد المشترك” حيث الحكاية الفلسطينية كانت المنهج الخفي في بيوتنا ومدارسنا. كنا نُربى على أن الألم ملكية جماعية، وأن الغائب حاضر بالوجدان. تلك تربية لا تصدر عن وصايا، بل عن “جغرافيا الحواس” التي علمتنا أن البُعد قد يكون أداة للقرب.
اليوم، تقلصت المسافات بشكل مذهل. أصبحت غزة على بعد مكالمة، والخليل في متناول سيارة، ونابلس جارة قريبة. لكن المفارقة القاتلة أننا لم نعد نشعر ببعضنا. الحدث الجلل يقع في مدينتك أنت نفسها، جريمة أو استشهاد، وفي القاعة المجاورة عرس يصدح. نحن في زمن “القرب المادي” المطلق، لكننا نعيش “اغتراباً وجدانياً” لم نعهده من قبل.
هذا التحول ليس مجرد أزمة أخلاقية عابرة، بل هو تحول أنطولوجي في بنية الوجود الفلسطيني. الفلسفة هنا ليست ترفاً، بل ضرورة لفهم ما جرى لنا.
ما نراه هو أزمة “التربية على الحضور”. لقد برعت مؤسساتنا التربوية في تعليم “ما يجب أن نعرفه عن العدو وعن النكبة”، لكنها أهملت تعليم “كيف نكون حاضرين عاطفياً للآخر القريب”. التربية الفلسطينية بحاجة إلى “بيداغوجيا القرب” – فن أن نتعلم كيف نسمع أنين الجار رغم صخب همومنا.
من “الوعي العابر للمسافات” إلى “تلبد الحواس”
كانت المسافة الجغرافية في الماضي تعمل كمرآة عجيبة: لأننا لا نستطيع الوصول بسهولة، كان علينا أن نتخيل، أن نشعر، أن نخلق جسوراً وجدانية تحل محل الجسور المادية. كنا نمارس نوعاً من “الوعي التمثيلي” العميق، حيث يصبح ألم الآخر حاضرياً لأنه لا يمكن لمسه. كان البعد يخلق شوقاً، وكان الشوق يخلق تضامناً.
اليوم، انهارت كل حواجز الوصول. نحن على اتصال دائم، نرى لحظة بلحظة ما يحدث في كل بقعة فلسطينية. لكن المفارقة الفلسفية الكبرى أن “فرط القرب” ينتج نفوراً، وأن “كثافة المشاهد” تؤدي إلى تبريد الشعور. لقد أصبحنا نعيش ما يمكن نسميته “تلبد الحواس” – وهو حالة تصبح فيها الحواس مثقلة بالمؤثرات لدرجة أنها تتوقف عن الاستجابة.
هذا يشبه ما وصفه الفيلسوف بول فيريليو بـ “ثقافة السرعة”: حين يصبح كل شيء متاحاً فورياً، يفقدنا ذلك القدرة على التوقف والتأمل. كنا ننتظر الأخبار، فكانت تأتي ثقيلة المعنى. الآن نغرق في سيل من الأخبار، فتصبح خفيفة الظل.
هنا يأتي دور “التربية البطيئة” ، علينا أن نُعيد تعلّم فن “التوقف”. المدرسة الفلسطينية بحاجة إلى حصص في “التأمل الصامت” أو “قراءة خبر واحد بعمق” بدلاً من استهلاك عشرات الأخبار بسطحية. التربية على “الصبر الحواسي” قد تكون مقاومة وجودية في زمن السرقة الرقمية للانتباه.
ثقافة الاغتراب الجديدة
ما يحدث ليس فقداناً للضمير، بل هو تحول في بنية العلاقة بين الذات والمجتمع. الاحتلال لم يسرق أرضنا فقط، بل سرق أيضاً الطريقة التي كنا نشعر بها ببعضنا. نحن اليوم نعيش في “مدن مادية قريبة لكن متباعدة وجدانياً”.
هناك عدة عوامل تفسر هذا التحول:
أولاً: تطبيع الألم. حين تصبح المواجهة مع الاحتلال يومية، وتتحول الاستشهادات إلى أرقام، والاعتداءات إلى روتين، يبدأ الجهاز النفسي في بناء دروع تلقائية. ليس قسوة، بل آلية بقاء. لكن هذه الدروع تحولت إلى جدران بيننا.
التربية هنا مدعوة لتعليم “الشفافية الدفاعية” – أي أن نحافظ على دروعنا النفسية دون أن نُحَوِّلَها إلى قسوة تجاه الآخر. يمكن للمناهج أن تتضمن تدريبات على “التعاطف المتوازن”: كيف نشعر ولا ننهار، وكيف نحمي أنفسنا دون أن نتحجر.
ثانياً: تفرد الألم. كل مدينة فلسطينية، بل كل حي وكل عائلة، باتت غارقة في آلامها الخاصة المعقدة. أزمة اقتصادية، انقسام سياسي، فساد، بطالة. حين يكون المرء غارقاً في مستنقع همومه اليومية، يصبح من المستحيل تقريباً أن يحمل أيضاً هموم الآخرين.
هذا ليس فشلاً أخلاقياً بل فشلاً في “التربية على التعددية الداخلية”. لقد تعلمنا أن العدو واحد، لكننا لم نتعلم كيف نختلف داخلياً دون أن نتناحر. التربية الفلسطينية الجديدة يجب أن تؤسس لـ”مواطنة الألم المشترك” دون إنكار خصوصية كل مدينة. أن نعترف أن ألم غزة يختلف عن ألم القدس، لكن كليهما ينتميان لشجرة فلسطين الواحدة.
ثالثاً: تحول التضامن إلى استهلاك. وسائل التواصل جعلت “التعاطف” أداءً سريعاً: لايك، شير، تعليق. صار بإمكان المرء أن يشعر بأنه قدم شيئاً مقابل نقرة زر، وهذا يريح الضمير دون أي التزام حقيقي.
التربية الإعلامية الرقمية لم تعد ترفاً، بل ضرورة وجودية. نحن بحاجة إلى تعليم أطفالنا الفرق بين “التضامن الأدائي” و”التضامن العملي”. أن نزرع فيهم أن التعليق المؤثر لا يساوي وجبة ساخنة لجار محتاج، وأن المشاركة الرقمية قد تكون بداية وليست نهاية للفعل التضامني.
استعادة الوجع المشترك
المقال لا يهدف إلى إصدار أحكام أخلاقية مجردة. لا يمكننا أن نلوم فرداً فلسطينياً واحداً على هذا التلبد. نحن جميعاً ضحايا لنظام احتلالي طويل الأمد، ولانتفاضات متعاقبة، ولانقسام داخلي موجع، ولتسارع تكنولوجي أعاد تشكيل وعينا.
لكن الوعي بالمشكلة هو أول خطوة لتجاوزها. الفلسفة هنا ليست تشخيصاً فقط، بل علاج. يمكننا إعادة بناء التضامن الوجداني، لكن ليس بالعودة إلى الماضي الجغرافي البعيد، بل بإبداع أشكال جديدة من الحضور العاطفي.
ربما يكمن الحل في أن نتعلم “الصمت المشترك” مرة أخرى. أن نقف لحظة أمام كل خبر، أن نستعيد القدرة على التوقف. أن ندرك أن العرس في القاعة المجاورة ليس منافساً للحزن، بل هو إعلان عن الحياة. وأن الجريمة في شارعنا هي جريمة في جسدنا الفلسطيني المشترك.
أيها المعلم الفلسطيني، أيتها الأم الفلسطينية، أيها المربي في كل زاوية من هذا الوطن الممزق والمتصل:
مهمتك اليوم أعظم من أي وقت مضى. أنت لا تربي فقط على القراءة والكتابة، بل تربي على “مقاومة تلبد الحواس”. كل مرة تعلم فيها طفلاً أن ينظر في عين جاره قبل أن يمرر إصبعه على شاشة هاتفه، فأنت تعيد بناء فلسطين الوجدانية. كل مرة تروي فيها حكاية ألم من مدينة أخرى وكأنها حدثت في حارتكم، فأنت تخترق جدران الاغتراب. كل مرة تطلب من تلاميذك الوقوف دقيقة صمت ليس للميت فقط بل للحزين الحي القريب، فأنت تؤسس لتربية التضامن الجديدة.
فلسطين التي نريدها ليست فقط أرضاً متصلة جغرافياً، بل أرضاً يشعر بعضها ببعض. قريبون في المسافة، قريبون في الروح. هذا هو التحدي الحقيقي للفلسطيني اليوم: أن يبقى حساساً، رغم كل شيء. أن يحافظ على قلبه مفتوحاً، رغم تلبد الحواس. لأن التضامن ليس ترفاً عاطفياً، بل هو شرط بقائنا كشعب.
وشرط بقائنا كتربية أن نؤمن بأن الحواس يمكن أن تتلبّد، لكن يمكن أيضاً أن تتفتّح مجدداً. لا بالمثالية الساذجة، بل بالتمرين اليومي الصعب على أن نرى بعضنا. حقاً. بعيداً عن الشاشات. في العيون. في الصمت. في الوجبة المشتركة. في البكاء المسموح. في الاعتراف بأننا منهكون لكننا لم نُهزَم بعد.
فلسطين ليست مجرد وطن نحرره بالأسلحة أو بالسياسة، بل وطن نستعيده كل يوم بتربية الحواس على عدم الموت قبل الموت.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.