
حين يتخاذل العقل الجمعي… الأرض تُنهب والمخيمات تُهجّر ، بقلم : د. نظمية حجازي
العقل الجمعي الفلسطيني، الذي كان عبر عقود الضمير المقاوم للشعب، يواجه اليوم أخطر اختباراته. فبعد حرب الإبادة على غزة منذ 7 أكتوبر، وما تبعها من تهجير مخيمات طولكرم ونورشمس وجنين، وتفاقم البطالة بين العمال الذين تعطلت حياتهم ومصدر رزقهم، بات هذا العقل الجمعي مهددًا بالتفكك والانقسام.
الأرض التي تُصادر يوميًا بفعل الاستيطان، والاعتداءات المتكررة للمستوطنين على القرى والمزارع، لم تعد مجرد قضية سياسية، بل أصبحت جرحًا اجتماعيًا ينعكس على وعي الناس وسلوكهم. المخيمات التي كانت رمزًا للصمود تحولت إلى ساحات نزوح جديدة، والعمال الذين كانوا عماد الاقتصاد الشعبي وجدوا أنفسهم بلا عمل ولا حماية، فيما يعيش المجتمع حالة من الإحباط العام.
هذا الواقع لا يعكس فقط آثار الحرب والاحتلال، بل يكشف أيضًا عن حالة تخاذل داخلي تتسرب إلى البنية الاجتماعية: ضعف المشاركة الشعبية في الفعل المقاوم، تراجع المبادرات الجماعية، غياب الثقة بالقيادة بعد المؤتمر الثامن، وتنامي الشعور بالعجز لدى قطاعات واسعة من المجتمع. التخاذل هنا لم يعد مجرد موقف سياسي، بل أصبح عقلًا جمعيًا سلبيًا يهدد الهوية الوطنية ويكرّس الانقسام.
ومع ذلك، فإن عناصر العقل الجمعي المقاوم ما زالت حاضرة: التمسك بالأرض رغم المصادرة، القدسية المرتبطة بالشهداء والأسرى، التضامن الشعبي الذي يظهر في مواجهة اعتداءات المستوطنين، والوعي بأن الاحتلال يسعى لتفكيك الضمير الجمعي الفلسطيني كي يحوّل المجتمع إلى أفراد معزولين بلا رابط.
إن أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم ليس فقط آلة الحرب الإسرائيلية، بل أيضًا خطر فقدان العقل الجمعي المقاوم لصالح عقل جمعي متخاذل يبرر العجز ويكرّس الانقسام. لذلك، فإن استعادة هذا الضمير الجمعي تتطلب إعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته، وتفعيل دور المخيمات والعمال كقوة اجتماعية لا يمكن الاستغناء عنها، والتأكيد أن الأرض هي محور الهوية، وأن المقاومة ليست خيارًا لفصيل، بل هي هوية جماعية تحفظ وجود الفلسطينيين وتمنع ذوبانهم.
العقل الجمعي الفلسطيني اليوم يقف على مفترق طرق: إما أن يستسلم للتخاذل والانقسام، أو أن يستعيد ضميره المقاوم ليبقى الحصن الأخير الذي يحفظ الأرض والهوية ويقاوم الانهيار.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.