4:42 مساءً / 19 مايو، 2026
آخر الاخبار

المالحةُ في يُتمِها الثامنِ والسبعين ، بقلم : غدير حميدان الزبون

المالحةُ في يُتمِها الثامنِ والسبعين

المالحةُ في يُتمِها الثامنِ والسبعين ، بقلم : غدير حميدان الزبون

على تخومِ الحكايةِ،
قبلَ أنْ تُكسرَ المآذنُ بالنحيبْ،
وقبلَ أنْ ترتديَ القرى
أكفانَ الغيابِ والكآبةِ واللهيبْ،
كانَ جدّي الكنعانيُّ
يعودُ مع الغروبِ
وحقلُ القمحِ يمشي خلفَ خُطاهُ
على الخصبِ والعشبِ والطيبْ.
مات جدّي
ولا زالت الكوفيّةُ
على كتفِهِ
ترفرفُ فوقَ الريحِ
تباركُها السنابلُ
ودعواتُ الأمهاتِ
وأجراسُ المغيبْ.
وكانتْ جدّتي الكنعانيّة،
تمشي في ساحةِ الدار
بثوبِها المطرَّزِ
بأغاني البرتقالِ والزيتونْ،
فتنحني لها الجرارُ
ويصحو الطابونْ،
فيفوحُ الخبزُ من بينِ يديها
في ذاكرةِ السنينْ.
في خاصرة أيار،
وفي حضيرةِ البيتْ
نامَ حصادُ القمحِ
كنزًا من ذهبِ الحقولْ،
وامتلأتِ الجرارُ
بزيتِ الزيتون،
وكانتِ الأبوابُ الخشبيّةُ
تحفظُ ضحكاتِ المساءِ
وصهيلَ الخيولِ
ورائحةَ الزعترِ المبلّلِ بالندى
وأغاني الحصّادينْ.
ثمَّ جاءَ الليل
ليلٌ ثقيلٌ
تعثّرتْ فيهِ النجومُ
بأقدامِ الغزاةْ،
ليلٌ
كانتْ فيهِ القرى
تجمعُ أطفالَها،
وأشلاءَ الدعاءِ والنجاةْ.
نهض جدّي ليحملَ مفتاحَ المالحة،
وشدّتْ جدّتي
ثوبَها المطرَّزَ
على صدرِها المرتجفْ،
ومشيا بينَ القرى
والنارُ تلتهمُ أسماءَ البيوت،
وخلفَهما
ظلَّ حصادُ القمحِ
نائمًا في حضيرةِ النسيان،
ينتظرُ عودةَ أصحابِهِ
من دروبِ التيهِ والانكسارْ.
يا مالحةُ
يا خارجةً من سِفرِ الكنعانيينْ،
يا نارَ زيتونٍ
على كتفِ السنينْ،
فيكِ الملاحمُ تمشي
بثوبِ الخالدينْ،
وفي ترابِكِ ترتقي الصلواتِ
على جبينِ العارفينْ.
تقفُ الجدّاتُ
على أبوابِكِ العتيقةْ،
ينسجنَ من ضوءِ الحنّاءِ
تعاويذَ الطريقْ،
ويخبزنَ للشمسِ
أقمارًا من القمحِ العريقْ،
ثمَّ يرسمنَ فوقَ أكفِّ الصغارِ
مفاتيحَ البيوتِ
ليكبرَ فيهم
وعدُ العائدينْ.
أيُّها المفتاحُ
المعلَّقُ في رقبةِ المنافي،
يا آخرَ الأجراسِ
في زمنِ الخرابْ،
ثمانيةٌ وسبعونَ عامًا
والمالحةُ تشربُ مرارةَ الأحباب،
ثمانيةٌ وسبعونَ عامًا
والنوافذُ تنتظرُ الخُطى
مثلَ عيونِ الأمهاتِ
على عتباتِ السرابْ،
حتى غدا اليُتمُ
رايةَ قريةٍ،
وصلواتَ بيتٍ،
وأنينَ زيتونةٍ
في مواسمِ الغيابْ.
نهض الجدُّ الكنعانيُّ
فارتجفتْ تلالُ القمحِ،
وصعدَتِ السنابلُ
جيشًا من الضوءِ والنارْ،
وتقدّمتِ الكوفيّةُ
فوقَ أكتافِ الرجالْ،
مثلَ رايةِ “عنات”
التي تعودُ من الحروبِ
مكلّلةً بغبارِ الانتصارْ.
يا بحرَ غزّةْ،
خبِّئْ مراكبَ الفينيقيينَ
في زرقةِ الأسرارْ،
واحملْ غناءَ الصيّادينَ
إلى آخرِ الدنيا
وآخرِ البحارْ،
ويا قدسُ،
يا نسرًا كنعانيًّا
يحرسُ أبوابَ السماءْ،
قِفي على جرحِكِ العالي
أسطورةً
لا تنحني للغزاةْ،
ولا تموتُ مع انكسارِ النهارْ.
في اللدِّ
سارتِ القرى بثيابِ النارْ،
الأمُّ تحملُ خبزَها،
والجدُّ يحملُ مفتاحَهُ،
والطفلُ يحملُ دهشةَ الأعمارْ.
يركضُ الهواء لاهثًا خلفَ القوافلِ
حاملًا رائحةَ الزعترِ
وأغاني الحصّادينَ
وصهيلَ المواويلِ
في قلبِ الديارْ.
أقسمتِ الجدّاتُ
عندَ مواقدِ الخيامْ:
“سيعودُ الزيتونُ يومًا
إلى صدورِ التلالْ،
وسيعودُ القمحُ
ليلبسَ ذهبَ المواسمِ والحقولْ،
وسيعودُ المفتاحُ
ليوقظَ أبوابَ البيوتِ
بعدَ هذا الرحيلِ الطويلْ”،
ثمَّ نثرنَ الحنّاءَ
فوقَ جباهِ الصغارْ،
فكبروا
وفي عيونِهم
تركضُ خيولُ جلجامشْ،
وتشتعلُ نارُ بروميثيوسْ،
ويعلو نشيدُ فلسطينْ
فوقَ رؤوسِ الرجالْ.
أيُّها العابرونَ
فوقَ جراحِ البلادْ،
هل سمعتمْ صوتَ الكوفيّةِ
المرفرفة فوقَ البنادقِ والمآذنِ والسهولْ؟
إنّها تقرأُ تاريخَ فلسطينْ
بصوتِ الأنبياءِ
وصهيلِ الخيولْ.
وهل رأيتمْ زيتونةً
تقاتلُ الريحَ
ثمانيةً وسبعينَ عامًا
ثمَّ ترفعُ أغصانَها الخضراء
في وجهِ الأفولْ؟
ها همُ الشهداءُ
يصعدونَ من ترابِ البلاد
بعدَ الشتاءِ الطويلْ،
وجوهُهم قناديلُ،
وأصواتُهم طبولُ الملاحمِ
في ليلِ المستحيلْ،
وفي أيديهم
مفاتيحُ البيوتِ القديمةْ،
وفي خطوِهم
ترتجفُ أبوابُ التاريخِ
وترتفعُ راياتُ العودةِ
فوقَ الجليلْ.
ها هو الليل يفرغُ
آخرَ ما في جعبتِهِ من الخرابْ،
وتنكسرُ على أسوارِ القدسِ
أنيابُ القرونْ،
سيهبطُ الكنعانيُّ الأخيرُ
من أعلى الملاحمِ والأساطيرْ،
مكلّلًا بغبارِ المعاركِ
وبرائحةِ الزيتونِ والحنينْ
يرفعُ مفتاحَ المالحةِ عاليًا،
فتنشقُّ الأرضُ
عن القرى النائمةِ تحتَ الرمادْ،
وتنهضُ البيوتُ
كما تنهضُ العنقاءُ
من قلبِ النارِ واليقينْ.
فتشتعلُ الكوفيّةُ فوقَ الريحْ
رايةً بحجمِ السماءْ،
وتمشي السنابلُ
خلفَ العائدينْ،
وتخرجُ الجدّاتُ
من أبوابِ الزمنْ،
ينثرنَ الحنّاءَ
فوقَ جبينِ البلادْ،
فيخضرُّ الحجرُ،
ويعودُ البحرُ
لينطقَ الاسمَ المقدّسَ
في حضرةِ الخالدينْ:
فلسطينُ
يا ملحمةَ الأرضِ
من أوّلِ النارِ
حتى آخرِ العائدينْ.

  • – غدير حميدان الزبون – المالحة – القدس – فلسطين

شاهد أيضاً

اهتمام واسع بزيارة بوتين المرتقبة للصين وسط توقعات بنتائج ومخرجات كبيرة

شفا – تحظى زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المرتقبة للصين ولقاؤه مع الرئيس الصيني شي …