10:50 مساءً / 11 مايو، 2026
آخر الاخبار

المؤتمر الثامن لحركة فتح: كثرة المترشحين بين الرغبة الوطنية بالتغيير وسباق المواقع التنظيمية ، بقلم : د. عماد سالم

المؤتمر الثامن لحركة فتح: كثرة المترشحين بين الرغبة الوطنية بالتغيير وسباق المواقع التنظيمية ، بقلم : د. عماد سالم

حين تتزاحم الأسماء… هل نحن أمام حيوية تنظيمية أم أزمة ثقة وصراع نفوذ؟

ليست كثرة المترشحين في أي حركة تحرر وطني مجرد ظاهرة تنظيمية عابرة، بل هي في كثير من الأحيان مرآة عميقة لحالة التنظيم الداخلية، ومستوى الرضا أو التململ، وحجم الطموح المؤجل، وطبيعة العلاقة بين القاعدة والقيادة. وفي الحالة الفتحاوية، فإن الحديث عن الأعداد الكبيرة من المترشحين للمواقع القيادية، سواء في المجلس الثوري أو اللجنة المركزية خلال المؤتمر الثامن المرتقب لحركة حركة فتح، يتجاوز الحسابات الفردية والطموحات الشخصية، ليحمل دلالات سياسية وتنظيمية أعمق بكثير.

ما أشار إليه الإعلامي والسياسي ناصر اللحام بأن “كثرة المرشحين دليل على اهتزاز الثقة بالقيادة والرغبة الجارفة بالتغيير”، يفتح الباب أمام قراءة أكثر واقعية للمشهد الداخلي في الحركة، بعيدًا عن المجاملات أو الخطابات التقليدية.

فحين يشعر عدد كبير من الكوادر أن بإمكانهم المنافسة على أعلى المواقع، فهذا يعني ضمنياً أن صورة “القيادة الحصرية” لم تعد راسخة كما كانت، وأن هناك شعوراً متنامياً داخل القواعد التنظيمية بأن المرحلة القادمة تحتاج إلى إعادة تعريف للقيادة، وأدوارها، وأدواتها، وربما حتى خطابها السياسي والتنظيمي.

لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا كثرت الأسماء؟
بل: ماذا تعكس هذه الظاهرة فعلاً؟
هل تعكس كثرة المترشحين رغبة وطنية بالتغيير أم سباقاً على المواقع؟

قراءة ظاهرة الترشح الواسع داخل حركة فتح لا يمكن أن تبقى محصورة فقط في إطار الرغبة بالإصلاح والتجديد، فالمشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً من ذلك.

فإلى جانب وجود كوادر تحمل هاجس التغيير الحقيقي وإعادة بناء الثقة بالحركة، هناك أيضاً من تدفعه اعتبارات الحضور الشخصي والمكانة التنظيمية والنفوذ المرتبط بالموقع القيادي. وهذا ليس أمراً استثنائياً في التنظيمات السياسية الكبرى، خصوصاً تلك التي تمتلك تاريخاً طويلاً ومكانة مركزية في النظام السياسي الفلسطيني.

فالموقع التنظيمي في كثير من الأحيان لا يمثل مجرد مسؤولية نضالية، بل يتحول أيضاً إلى رمز للحضور والتأثير والاعتبار السياسي والاجتماعي، خصوصاً في ظل حالة الانسداد السياسي والأزمات الاقتصادية والوطنية التي نعيشها نحن الفلسطينيون.

ولهذا، فإن كثرة المترشحين قد تحمل وجهين متوازيين:

  • وجهاّ إيجابياً يعكس حيوية داخلية ورغبة بالتغيير وتجديد الحركة وضخ دماء جديدة فيها.
  • وجهاً آخر يكشف أزمة ثقة متراكمة وشعوراً لدى كثيرين بأن الوصول إلى المواقع القيادية أصبح ممكناً في ظل اهتزاز المرجعيات التقليدية داخل الحركة.

الترشح المكثف ليس دائماً ظاهرة سلبية،،،،،

في العلوم السياسية والتنظيمية، تُقرأ كثرة المرشحين بطريقتين متناقضتين:

الأولى إيجابية، باعتبارها دليل حيوية داخلية ووجود كوادر تمتلك الثقة بالنفس والطموح والاستعداد لتحمل المسؤولية، وهو أمر صحي في أي حركة سياسية كبيرة بحجم حركة فتح.

أما القراءة الثانية، وهي الأعمق في الحالة الفلسطينية الحالية، فترى أن الترشح الكثيف يعكس أيضًا حالة من الفراغ المعنوي أو التراجع في الهيبة التنظيمية، بحيث يشعر كثيرون أن الوصول إلى المواقع العليا لم يعد مرتبطاً فقط بالتاريخ النضالي أو الكفاءة الاستثنائية، بل أصبح متاحاً بفعل ضعف التماسك الداخلي وتراجع الإجماع حول القيادات التقليدية.

وهنا يصبح السؤال الأخطر: هل نحن أمام تنافس صحي على تجديد الحركة؟
أم أمام تعبير واسع عن أزمة ثقة صامتة داخل البنية التنظيمية؟
لماذا تتسع دائرة الطامحين اليوم؟
هناك مجموعة من الأسباب العميقة التي تفسر هذه الظاهرة داخل فتح، أبرزها:

أولاً : تراكم الإحباط التنظيمي

على مدار سنوات طويلة، شعرت أعداد واسعة من الكوادر أن فرص المشاركة والتأثير داخل الحركة أصبحت محدودة، وأن التداول القيادي بطيء أو شبه متوقف، ما خلق رغبة قوية لدى كثيرين بمحاولة كسر الحلقة التقليدية.

ثانياً: غياب المشروع التنظيمي الواضح
حين تغيب الرؤية السياسية والتنظيمية الجامعة، تتقدم الشخصنة على المشروع، وتتحول المواقع التنظيمية إلى ساحات تنافس مفتوحة، لأن الجميع يشعر أن الفراغ يسمح بالصعود.

ثالثاً: التحولات داخل المجتمع الفلسطيني

المجتمع الفلسطيني نفسه تغيّر؛ جيل جديد أكثر جرأة وأقل ارتباطاً بالرمزية التاريخية التقليدية، وأكثر مطالبة بالمشاركة والتمثيل والتغيير.

رابعاً: الأزمات الوطنية المتراكمة

الحرب، والانقسام، والأزمة الاقتصادية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تنعكس مباشرة على الحالة التنظيمية لأي حركة سياسية، خصوصاً الحركة الأكبر في النظام السياسي الفلسطيني.

المجلس الثوري واللجنة المركزية: صراع أدوار أم صراع اتجاهات؟

المفارقة أن كثيراً من المترشحين لا يترشحون فقط للفوز بموقع تنظيمي، بل لإثبات حضور سياسي وشعبي داخل الحركة. فالمعركة لم تعد مجرد “مقاعد”، بل معركة على تمثيل المستقبل داخل فتح.

  • هناك من يريد فتحاً أكثر شباباً.
  • وهناك من يريدها أكثر مركزية وانضباطاً.
  • وهناك من يطالب بإعادة الاعتبار للكادر التنظيمي.
  • وهناك من يرى ضرورة ضخ دماء جديدة بالكامل.
  • وفي المقابل، هناك أيضاً من ينظر إلى المواقع التنظيمية باعتبارها مساحة نفوذ ومكانة أكثر من كونها مسؤولية وطنية وتنظيمية، وهنا تكمن خطورة اختزال العملية الديمقراطية الداخلية في سباق أسماء وتحالفات بدل أن تكون منافسة برامج ورؤى.

وبالتالي، فإن كثرة المترشحين قد تكون انعكاساً لصراع رؤى داخل الحركة، لكنها في الوقت نفسه قد تعكس صراع مصالح وطموحات شخصية أيضاً، حتى وإن لم يُعلن ذلك بصورة مباشرة.
هل نحن أمام لحظة مراجعة تاريخية؟
المؤتمر الثامن لا يبدو مؤتمراً عادياً، بل يأتي في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد:

  • حرب وإبادة في غزة، وما تتعرض له الضفة.
  • ضغوط سياسية وإقليمية هائلة.
  • أزمة اقتصادية خانقة.
  • تراجع الثقة الشعبية بالأطر السياسية.
    وتصاعد الأسئلة حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله.

في مثل هذه اللحظات، تصبح الانتخابات الداخلية أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي؛ تتحول إلى اختبار لقدرة الحركة على تجديد نفسها واستعادة ثقة جمهورها.

الخطر الحقيقي ليس كثرة المترشحين… بل غياب التجديد الحقيقي

المشكلة ليست في وجود مئات المترشحين، بل في أن يشعر الناس بعد المؤتمر أن شيئاً لم يتغير.
فالشارع الفلسطيني اليوم لا يبحث فقط عن أسماء جديدة، بل عن:

رؤية مختلفة، إدارة أكثر كفاءة، عدالة تنظيمية، حضور ميداني حقيقي، وقيادة قادرة على مخاطبة الجيل الجديد بلغة المستقبل لا بلغة الماضي فقط.

إذا بقيت المخرجات أسيرة التوازنات التقليدية ذاتها، فقد تتحول كثرة المترشحين من علامة حيوية إلى مؤشر على اتساع الفجوة بين القاعدة والقيادة.

فتح أمام اختبار صعب

تبقى حركة فتح حركة التحرر الوطني الأكبر والأكثر تأثيراً في المشهد الفلسطيني، وأي تحولات داخلها تنعكس مباشرة على النظام السياسي الفلسطيني كله.

ولهذا، فإن المؤتمر الثامن ليس مجرد محطة انتخابية، بل فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة،
وتجديد الشرعية الداخلية، وإعادة تعريف العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين التاريخ والمستقبل.
فالناس لا تسأل فقط: من سيفوز؟

بل تسأل السؤال الأعمق: هل ستنجح الحركة في إنتاج قيادة تحمل مشروعاً وطنياً وتنظيمياً جديداً؟
أم سيبقى التنافس مجرد سباق على المواقع والأسماء والنفوذ؟

ولأن حركة فتح تهم الكل الفلسطيني، وربما هنا تكمن خصوصية حركة فتح مقارنة بأي فصيل فلسطيني آخر؛ فهي بالنسبة لقطاعات واسعة من الفلسطينيين ليست مجرد إطار تنظيمي أو حزب سياسي، بل حالة وطنية جامعة ارتبطت بتاريخ القضية الفلسطينية، وشكّلت لعقود العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية.

ولهذا، فإن فتح لا تُقرأ فقط بعين أبنائها أو كوادرها، بل بعين الشارع الفلسطيني كله، لأن تأثيرها لا يبقى داخل أطرها التنظيمية، بل ينعكس على مجمل الحالة الوطنية الفلسطينية سياسياً وشعبياً وتنظيمياً.

ومن هنا، يشعر كثير من الفلسطينيين أن من حقهم إبداء الرأي في فتح، وفي مؤتمراتها، وفي شكل قيادتها ومستقبلها، حتى لو لم يكونوا منتمين إليها. فكما قيل ذات مرة: “من حق أصغر طفل فلسطيني أن يتدخل في فتح، لأن قوة فتح كانت دائماً تعني قوة الحالة الوطنية الفلسطينية، وأي اهتزاز فيها يترك أثره على الجميع.”

ولهذا، لا ينظر الفلسطينيون إلى المؤتمر الثامن باعتباره مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل باعتباره محطة وطنية ينتظرون منها أن تعيد شيئاً من الثقة والأمل وترتيب البيت الفلسطيني في واحدة من أصعب المراحل التي مرت على شعبنا.

  • – د. عماد سالم – باحث وكاتب في قضايا التعليم والتنمية والسياسات العامة

شاهد أيضاً

جامعة بوليتكنك فلسطين تشارك في المؤتمر الدولي "التعليم نحو المستقبل – الأردن 2030"

جامعة بوليتكنك فلسطين تشارك في المؤتمر الدولي “التعليم نحو المستقبل – الأردن 2030”

شفا – في إطار جهود جامعة بوليتكنك فلسطين في تعزيز تواصلها المجتمعي وانخراطها في الفعاليات …