8:47 صباحًا / 6 مايو، 2026
آخر الاخبار

برغسون في فلسطين: لماذا نحتاج إلى “أحزاب مفتوحة” بدل “الثكنات المغلقة “؟ بقلم : نسيم قبها

برغسون في فلسطين: لماذا نحتاج إلى “أحزاب مفتوحة” بدل “الثكنات المغلقة “؟ بقلم : نسيم قبها

منذ عقود، كانت الأحزاب السياسية الفلسطينية هي القلب النابض للمقاومة والتنظيم والتمثيل. لكننا اليوم أمام مشهد سياسي مقلق: أحزاب تذوي، وقواعد جماهيرية تتبخر، ونخب منشغلة بصراعات السلطة لا بقضايا الأمة. هذا التراجع ليس مجرد أزمة تنظيمية عابرة، بل هو خطر وجودي يهدد مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني المستهدف بأكمله.

جذور الأزمة: من التنظيم الثوري إلى ثقافة المحاصصة

لطالما استندت الأحزاب الفلسطينية إلى ركيزتين أساسيتين: المقاومة والخدمة الاجتماعية. لكن مرحلة السلطة بعد أوسلو أحدثت تحولاً مفصلياً. تحول الحزب بشكل عام من كونه إطاراً لتنظيم الجماهير وتعبئتها إلى أداة للتوظيف والمحاصصة. عندما أصبح الانتماء الحزبي وسيلة للحصول على وظيفة أو منحة أو إعفاء ضريبي، فقد الحزب قيمته كفضاء للنقاش الحر والنقد الذاتي والبناء السياسي.

الانقسام الفلسطيني الداخلي (2007) كان القشة التي قصمت ظهر البعير. تحولت الأحزاب إلى خلايا مغلقة، يغلب عليها الطابع الأمني والإداري على حساب الطابع النضالي والسياسي. وأصبح الشباب ينظرون إلى الأحزاب على أنها ” بنايات خاصة ” أو “ثكنات عسكرية”، لا منابر للإبداع السياسي والقيادة الجديدة.

مظاهر الانهيار: غياب التجديد وتهميش الشباب

الملاحظ أن قيادات الأحزاب الفلسطينية تعاني شيخوخة سياسية – ليس بالضرورة عمرية، لكن في العقلية والخطاب. لا توجد آليات منهجية لانتقال السلطة الداخلية، والنقاش العام حول قضايا التغيير الديمقراطي داخل الأحزاب بات شبه معدوم. النتيجة؟ خروج أعداد كبيرة من الشباب المؤهل والمتعطش للتغيير من العمل الحزبي بالكامل، أو انخراطهم في “سياسة الشارع” العفوية والمتقطعة.

أخطر ما نراه اليوم هو تحول الأحزاب إلى “علامات تجارية” رأسمالية، يردد أعضاؤها شعارات لا تؤمن بها قياداتها، ويقلدون خطابات لا تعبر عن تطلعات جماهيرها. الإبداع السياسي استبدل بالتبعية، والبرامج الواقعية حلت محلها الهتافات العاطفية.

الخطر على المستقبل: الفراغ السياسي والاقتتال على الفتات

عندما تتراجع الأحزاب، يتراجع معها الوعي السياسي المنظم، وتتسع مساحة الفردية والنزعة القبلية والعشائرية في إدارة الشأن العام. وهذا ليس مجرد تراجع تنظيمي، بل هو تراجع في القدرة على بناء مشروع وطني جامع.

ففي غياب أحزاب قوية ديمقراطياً وشفافة مادياً وبرامجياً، وتتمتع بآليات داخلية للرقابة والمحاسبة، يصبح من شبه المستحيل بناء مؤسسات دولة حقيقية بعد التحرير. من سيدير الانتخابات؟ من سيراقب السلطة؟ من سيكافح الفساد؟ من سينقل المسؤولية الوطنية من جيل إلى جيل؟

الخطر الأكبر هو أن الاحتلال الإسرائيلي، الذي طالما راهن على تفكيك المنظومة السياسية الفلسطينية، يجد اليوم أرضاً خصبة. الانقسامات الداخلية، وضعف التمثيل الشعبي، وهشاشة المشروع الوطني كلها عوامل تسهل على الاحتلال فرض واقع جديد يقضي على أي أمل في حل سياسي قائم على أسس وطنية صلبة.

رؤيتي الفلسفية: الحزب كفضاء للوجود السياسي المعاصر

من منظوري الفلسفي، الحزب السياسي ليس مجرد أداة للوصول إلى السلطة أو توزيع المغانم. الحزب هو “الفضاء الوسيط” بين الفرد والجماعة، بين الماضي والمستقبل، بين الحلم والواقع. الحزب هو المكان الذي يتم فيه تحويل القناعات الذاتية إلى فعل سياسي جماعي منظم.

هنري برغسون يقول إن “المجتمع المفتوح” يحتاج إلى نخب خلاقة قادرة على تجاوز النزعات الانغلاقية. وفي فلسطين، نحن بأمس الحاجة إلى أحزاب “مفتوحة”: منفتحة على مجتمعاتها، منفتحة على النقد، منفتحة على الحوار مع بعضها بعضاً، منفتحة على دماء جديدة وأفكار جديدة.

نحو أمل متجدد: دعوة لإعادة البناء

الخلاصة ليست في القضاء على الأحزاب، بل في إعادة هيكلتها وتجديد دمائها. المطلوب ثورة داخلية حقيقية: وضع آليات ديمقراطية لاختيار القيادات، فصل كامل بين الصندوق الحزبي وخزينة السلطة، تفعيل دور المعارضة الداخلية، إنشاء معاهد سياسية لتأهيل الكوادر الشابة، والعودة إلى القاعدة الجماهيرية ببرامج واقعية لا أيديولوجيات جامدة.

التاريخ لن يرحمنا إذا تركنا الأحزاب تموت ثم نبحث بعد فوات الأوان عن إطار سياسي لاستئناف المقاومة وبناء مؤسسات الدولة. المستقبل يبدأ اليوم بمراجعة جذرية وشجاعة لدور الأحزاب، ليس فقط في فلسطين بل في كل الوطن العربي الذي يعاني من أزمة مماثلة.

فلسطين التي تصنع المعجزات في وجه الاحتلال، قادرة أيضاً على إعادة اختراع نظامها الحزبي. لكن المبادرة بحاجة إلى جيل مسؤول يدرك أن السياسة فن خدمة الناس، لا وسيلة للثراء السريع أو التشبث بالكراسي. التغيير يبدأ من الداخل، والحرية تبدأ من عقل متحرر وقادر على تجاوز الأوهام.

شاهد أيضاً

بتعليمات من اللواء نضال شاهين " الاستخبارات العسكرية تحدد هوية مبتز على الإنترنت "

الاستخبارات العسكرية تفكك شبكة إبتزاز إلكتروني منظمة

شفا – في عملية نوعية، تمكن جهاز الاستخبارات العسكرية من تفكيك شبكة استدراج إلكتروني منظمة، …