
لماذا أنتمي إلى حركة فتح ؟ بقلم : د. عبدالرحيم جاموس
ليس الانتماء إلى حركةٍ بحجم القضية الفلسطينية مجرد خيارٍ تنظيمي، بل هو تموضعٌ في قلب التاريخ، وانحيازٌ واعٍ إلى سردية الحق في مواجهة محاولات الطمس والإلغاء. ومن هذا المنطلق، فإن انتمائي إلى حركة فتح هو انتماءٌ إلى الفكرة المؤسسة للوعي الوطني الفلسطيني المعاصر؛ الفكرة التي أعادت تعريف الفلسطيني بوصفه فاعلًا في التاريخ، لا موضوعًا له.
لقد جاءت حركة فتح في لحظةٍ مفصلية من تاريخ شعبنا، حين كانت القضية الفلسطينية مهددة بالاختزال في بعدها الإنساني والإغاثي، فجاءت لتعيد الاعتبار لها كقضية تحرر وطني، محكومة بمنظومة حقوقٍ أصيلة لا تسقط بالتقادم ولا تُنتزع بالقوة. وفي هذا السياق، فإن الأساس الذي أستند إليه في انتمائي ليس قراراتٍ دولية قابلة للتأويل أو التعطيل، بل ما هو أعمق من ذلك: الحق الطبيعي الذي يشكّل جوهر العدالة الإنسانية ومصدر شرعية كل قانون.
فالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني—في تقرير مصيره، والعودة إلى أرضه، وإقامة دولته المستقلة—ليست منحةً من نظامٍ دولي، بل هي حقوقٌ أصيلة، سابقة على كل تنظيمٍ قانوني، وملازمة لوجود الشعب على أرضه. وقد جاء القانون الدولي الإنساني، لا ليُنشئ هذه الحقوق، بل ليعترف بها وينظّمها، بوصفها حقوقًا غير قابلة للتصرف حتى في ظل الاحتلال. فمقاومة الاحتلال، ورفض الاستيلاء على الأرض بالقوة، ليستا سوى تجلياتٍ قانونية لحقٍ إنساني أعمق: حق الحرية والسيادة والكرامة.
ومن هنا، فإن الانتماء إلى فتح هو انحيازٌ إلى هذا الفهم المتجذر للحق، الذي لا ينتظر اعترافًا من قوةٍ دولية، ولا يخضع لتقلبات السياسة، بل يستمد مشروعيته من عدالته الذاتية، ومن انسجامه مع الضمير الإنساني العام. وهو ما يجعل القضية الفلسطينية، في جوهرها، قضية حقٍ لا يسقط، حتى وإن اختلّ ميزان العدالة في العالم.
وعلى المستوى الوطني، فإن فتح لم تكن مجرد تنظيمٍ سياسي، بل إطارًا جامعًا أعاد بناء الهوية الوطنية الفلسطينية على قاعدة الوحدة والتعدد في آنٍ معًا. فهي التي أسست لتمثيلٍ وطني شامل، ورسّخت مفهوم القرار الوطني المستقل، بوصفه حجر الزاوية في أي مشروع تحرري. وهذا ما يجعل الانتماء إليها انتماءً إلى فكرة الدولة قبل قيامها، وإلى مؤسساتها قبل اكتمالها.
أما في بعدها القومي، فإن فتح لم تنكفئ يومًا داخل حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل وعت أن فلسطين كانت وستبقى قضية العرب المركزية، وأن تحررها مرتبطٌ بسياقٍ عربي أوسع، يتقاطع فيه السياسي بالثقافي، والوطني بالقومي. لقد حافظت على هذا التوازن الدقيق بين استقلالية القرار الوطني، وعمق الانتماء العربي، دون أن تقع في فخ التبعية أو العزلة، وهو ما يمنح مشروعها بعدًا استراتيجيًا يتجاوز اللحظة الراهنة.
وفي البعد الأممي، لم تكن فتح حركةً منغلقة، بل انفتحت على حركات التحرر في العالم، واستلهمت تجاربها، وأسهمت في ترسيخ القضية الفلسطينية كقضية عدالة إنسانية. ففلسطين، في جوهرها، ليست مجرد نزاعٍ سياسي، بل اختبارٌ حيّ لمدى التزام النظام الدولي بقيم الحرية، والعدالة، وحقوق الإنسان. ومن هنا، فإن الانتماء إلى فتح هو أيضًا انتماءٌ إلى هذا الأفق الإنساني الواسع، الذي يرى في فلسطين مرآةً لضمير العالم.
غير أن هذا الانتماء، في عمقه، لا يقوم على التمجيد أو التسليم، بل على وعيٍ نقدي يدرك أن الحركات الكبرى تُختبر بقدرتها على التجدد. ففتح، التي صنعت تاريخًا من النضال، مدعوة اليوم إلى استعادة روحها التأسيسية: روح المبادرة، والوحدة، والانحياز المطلق للناس. إن الإصلاح من داخلها ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية، لضمان استمرارها كحاملٍ للمشروع الوطني، لا مجرد إطارٍ تنظيمي.
إن انتمائي إلى حركة فتح هو انتماءٌ إلى مشروعٍ لم يكتمل بعد؛ مشروع الحرية والاستقلال والعودة. وهو أيضًا التزامٌ أخلاقي وسياسي بالمساهمة في إعادة بناء هذا المشروع على أسسٍ من الشراكة والديمقراطية والعدالة. ففلسطين التي نحلم بها لا يمكن أن تولد إلا من رحم وحدةٍ وطنية صلبة، وإرادةٍ سياسية مستقلة، ونضالٍ واعٍ يقرأ موازين القوى دون أن يستسلم لها.
لهذا أنتمي…
لأن فتح، رغم كل ما مرّ بها، ما زالت تمثل الإمكانية التاريخية لاستعادة المبادرة، وإعادة توحيد المعنى الفلسطيني، وصياغة مستقبلٍ يليق بتضحيات شعبٍ لم ينكسر.
ولهذا أيضًا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أنتمي إلى فتح؟
بل: كيف نجعل من هذا الانتماء قوةً دافعةً نحو تحرير الإرادة، وبناء الدولة، وتحقيق العدالة التي طال انتظارها.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.