
لجان الحراسة الشعبية في مواجهة -الجريمة القومية- ، بقلم : بديعة النعيمي
لفتتني ظاهرة تنشأ اليوم في الضفة الغربية، تعرف ب لجان الحراسة الشعبية في مواجهة “الجريمة القومية”، والأخير مصطلح يستخدم للإشارة إلى اعتداءات ينفذها المستوطنون ضد الشعب الفلسطيني وممتلكاته، خاصة في القرى الزراعية ومناطق الرعي. وكنتيجة، بدأت مجموعات من الشبان الفلسطينيين تنظم نفسها كجهد شخصي بهدف حماية القرى. فأخذت على عاتقها مراقبة التحركات المشبوهة، والتدخل عند وقوع أي اعتداء.
وتعتمد هذه المجموعات على وسائل بدائية مثل العصي والحجارة. وأصبحت
في كثير من القرى، جزءا من المشهد اليومي، حيث يتم تنظيم نوبات حراسة ليلية، ونقاط مراقبة على مداخل القرى، إضافة إلى استخدام وسائل اتصال حديثة مثل تطبيقات التراسل للتنسيق السريع، وطرد الصهاينة، لإظهار من هو صاحب البيت الحقيقي.
وبينما يؤكد هؤلاء الشبان أن دورهم دفاعي، فإن الاحتكاكات المباشرة، خاصة في المناطق التي تعتبر بؤر توتر دائمة، توحي بأن ما يحصل إنما يعكس طبيعة البيئة المتفجرة التي تعمل فيها هذه المجموعات.
أما عن ظاهرة “الجريمة القومية” التي أخذت مجموعات الشبان الآنفة الذكر على عاتقها، مواجهتها، فهي ليست بالظاهرة الجديدة، ذلك لأنها شهدت في السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا، سواء من حيث عدد الاعتداءات أو حتى من ناحية توسع نطاقها الجغرافي داخل القرى والبلدات الفلسطينية. حيث اشتملت هذه الاعتداءات على حرق الممتلكات واقتلاع الأشجار، بالإضافة إلى اعتداءات جسدية، وأحيانا إطلاق النار. ما دفع الشبان الفلسطينيين إلى خيار اللجوء إلى التنظيم الذاتي، وخاصة في المناطق التي تقع خارج السيطرة الأمنية المباشرة للسلطة الفلسطينية أو التي يصعب الوصول إليها بسرعة.
هذه الظاهرة وأقصد ظاهرة لجان الحراسة الشعبية، أعادت إلى ذهني ظاهرة تشكلت قبل قيام دولة الاحتلال بسنوات كثيرة، حين كان اليهود أقلية ويعيشون ضمن “مستوطنات زراعية” غير مستقرة، حيث الأرض ليست لهم. في تلك الفترة، طورت هذه التجمعات نماذج من “الحراسة الذاتية”، من خلال تنظيمات مثل “هاشومير”، التي أُنشئت عام ١٩٠٩ بهدف حماية تلك المستوطنات، وطورت لاحقا إلى مجموعات أكثر تنظيما مثل عصابة “الهاغاناه”، التي لعبت دورا أساسيا في بناء القدرات الدفاعية للمجتمع اليهودي آنذاك.
كانت تلك التنظيمات تعتمد على مبدأ مشابه لما نراه اليوم، مبدأ يعتمد على الذات والجهود الشخصية في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على توفير الحماية. وقد ساهمت مثل هذه المنظمات على ترسيخ نموذج أمني قائم على المبادرة المحلية، قبل أن تتحول لاحقا إلى نواة مؤسسات الدولة الأمنية بعد قيامها عام ١٩٤٨.
هذا الإسقاط التاريخي لا يعني المقارنة العادلة بين النموذج الفلسطيني ونقيضه الصهيوني، لكنه يسلط الضوء على ديناميكيات تفعل في البيئات المتنازع عليها، حيث تلجأ المجتمعات إلى بناء آليات حماية ذاتية عندما تشعر بالتهديد.
اليوم، لجان الحراسة الشعبية الفلسطينية، تعكس حالة مشابهة من حيث الدوافع، وإن اختلفت الظروف، فشتان ما بين من يدافع عن حقه التاريخي وبين من يدافع عما سلبه ظلما وزورا من أصحابه الشرعيين.
والأهم أن استمرار هذه الظاهرة لجان الحراسة الشعبية ،قد يحمل في طياتها بذور تصعيد إضافي، خاصة إذا تحولت هذه اللجان من أهداف دفاعية بوسائل بدائية إلى تنظيمات شبه عسكرية. وهذا طبيعي، فحين تحرق الممتلكات وتقطع الأشجار ويقتل أصحاب الدار، من المؤكد أن ينفجر بركان الغضب ويعيد المعتدي إلى مكانه الصحيح.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.