2:34 مساءً / 2 مايو، 2026
آخر الاخبار

المؤتمر الثامن لفتح: حين يصبح الداء مفتاح الدواء ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

المؤتمر الثامن لفتح: حين يصبح الداء مفتاح الدواء ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

في لحظةٍ سياسية وتنظيمية دقيقة تقترب فيها حركة فتح من عقد مؤتمرها العام الثامن، تتقدم الأسئلة الكبرى على التفاصيل الإجرائية، ويغدو النقاش أعمق من مجرد تشكيل قيادة أو إعادة توزيع مواقع. إنها لحظة مراجعة شاملة لذاتها، لتجربتها، ولمسارها الذي حمل المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة.

في هذا السياق، تستحضر الذاكرة قول الشاعر: “داوني بالتي كانت هي الداء”، ليس بوصفه تعبيرًا عاطفيًا، بل كمدخل رمزي لفهم لحظة سياسية معقدة، حيث تتقاطع التحديات مع فرص الإصلاح، وحيث يصبح مصدر الألم أحيانًا جزءًا من طريق العلاج.

ففي التجارب السياسية الكبرى، لا يكون الخروج من الأزمات دائمًا عبر أدوات خارجية، بل غالبًا ما يبدأ من الداخل؛ من إعادة قراءة الذات، ومن الاعتراف بنقاط الضعف، ومن تحويل التجربة بكل ما فيها من تراكمات إلى قاعدة للإصلاح لا عبئًا للاستمرار.

إن المؤتمر الثامن لفتح ليس محطة تنظيمية عابرة، بل لحظة اختبار حقيقية لقدرة الحركة على تجديد نفسها دون التفريط بجوهرها التاريخي. فالتحدي اليوم لا يكمن فقط في الحفاظ على الإرث، بل في إعادة صياغة هذا الإرث بما يتلاءم مع واقع فلسطيني شديد التعقيد، سياسيًا واجتماعيًا وميدانيًا.

لقد واجهت فتح خلال السنوات الماضية تراكمات متعددة: تحديات داخلية، تغيرات في البيئة السياسية الفلسطينية، انقسامًا حادًا في الساحة الوطنية، وضغوطًا ميدانية فرضتها الحرب والاحتلال. وكل ذلك جعل من مسألة الإصلاح الداخلي ضرورة لا خيارًا.

ومن هنا، يصبح السؤال المركزي: هل تستطيع الحركة أن تعالج أزماتها من داخل بنيتها التنظيمية والفكرية؟ وهل يمكن تحويل مكامن الخلل إلى نقاط انطلاق جديدة بدل أن تبقى نقاط استنزاف؟
إن التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع الماضي، بل يعني إعادة قراءته بوعي نقدي، واستثمار دروسه بدل الارتهان لها. فالحركات التي تبقى حية هي تلك التي تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها دون خوف، ولإعادة بناء أدواتها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة.

وفي هذا الإطار، يكتسب المؤتمر الثامن دلالته الأعمق: فهو ليس فقط مؤتمر اختيار قيادة، بل مؤتمر إعادة تعريف العلاقة بين الفكرة والممارسة، بين القاعدة والقيادة، وبين التاريخ والحاضر. وهو أيضًا فرصة لإعادة بناء الثقة الداخلية، وتعزيز الحضور في الشارع الفلسطيني الذي ينتظر فعلًا سياسيًا أكثر فاعلية ووضوحًا.
إن فتح اليوم أمام لحظة مفصلية، حيث يمكن أن يتحول “الداء” الذي راكمته التجربة إلى “دواء” يُعيد ترتيب البيت الداخلي ويمنح الحركة قدرة أكبر على المبادرة. لكن ذلك مشروط بجرأة المراجعة، وصدق التشخيص، وإرادة التغيير.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن التنظيمات السياسية لا تُقاس فقط بما أنجزته في الماضي، بل بقدرتها المستمرة على تجديد ذاتها. وهنا فقط يصبح معنى القول حاضرًا بعمقه: أن الشفاء قد يكون أحيانًا من داخل الجرح نفسه، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تملك الحركة الشجاعة للنظر إلى نفسها بوضوح .. من دون تجميل أو إنكار.

شاهد أيضاً

معرض بكين للسيارات 2026: يوم الزيارة العامة خلال عطلة "عيد العمال"

معرض بكين للسيارات 2026: يوم الزيارة العامة خلال عطلة “عيد العمال”

شفا – CGTN – استقبل معرض بكين للسيارات 2026 يوم الزيارة العامة تزامنا مع عطلة …