
القلب أولاً… حين تخدعنا الأقنعة ولا يتغير الداخل ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
التغيير ليس ثوباً نرتديه حين نملّ من ملامحنا القديمة، ولا قناعاً نُبدّله كلما ضاقت بنا الحياة؛ التغيير ولادةٌ أخرى، تُكتب سطورها في أعماق القلب قبل أن تُقرأ على ملامح الوجه. هناك، في تلك البقعة الخفية التي لا تُرى، حيث تختبئ النوايا وتتشكل القناعات، يبدأ التحول الحقيقي… أو يموت قبل أن يُولد.
تُروى أسطورةٌ قديمة عن فأرٍ أنهكه الخوف حتى صار كظلٍ مرتجفٍ لا يثبت على أرض. أشفق عليه ساحرٌ فحوّله إلى قطّ، ظناً أن الخوف سيتبخر مع تغيّر الهيئة. لكن القلب بقي كما هو… فخاف القط من الكلاب، فتحوّل إلى كلب، ثم إلى نمر، وفي كل مرة كان الخوف يُبدّل وجهه لا جوهره. حتى وقف الساحر عند الحقيقة التي لا تقبل التحايل، وأعاده فأراً كما كان، قائلاً : لن يُنقذك شكلك ما دمت تحمل قلباً لم يتغيّر. وهنا، تنكشف الحقيقة العارية: ليس أخطر ما فينا ضعفُنا، بل استعارتنا لقوةٍ لا تسكننا.
كم يشبه هذا الفأرَ وجوهاً نراها كل يوم! أشخاصٌ يغيّرون أماكنهم، وظائفهم، دوائرهم، كلماتهم، بل وحتى ملامحهم أحياناً… لكنهم يظلون سجناء ذات الخوف القديم، كمن يبدّل نوافذ بيته ويترك الأساسات متصدعة. فالتغيير السطحي أشبه بدهانٍ لامعٍ على جدارٍ آيلٍ للسقوط؛ يخدع العين لحظة، لكنه لا يمنع الانهيار.
القلب هو البوصلة الخفية التي تحدد اتجاهك في العواصف. إن كان مضطرباً، ضللت الطريق ولو امتلكت أقوى الأجنحة، وإن كان ثابتاً، عبرت المستحيل ولو كنت حافي الإمكانات. القلب ليس مجرد مضخةٍ للدم، بل موقدٌ للفكر، ومهدٌ للإرادة، ومحرابٌ تُصاغ فيه المعاني الكبرى. ومن هنا، فإن كل محاولة للتغيير دون المرور بالقلب، ليست إلا دوراناً في حلقةٍ مفرغة، كمن يركض فوق الرمل، يظن أنه يتقدم، بينما هو يغوص.
التغيير الحقيقي يشبه اقتلاع شجرةٍ هرمة من جذورها، لا قصّ أوراقها اليابسة. إنه مواجهة صادقة مع الذات، دون مساحيق تجميل، ودون أعذار جاهزة. أن تعترف بأن خوفك ليس في الخارج، بل في داخلك، وأن عجزك ليس قيداً فرضه العالم، بل فكرةٌ أقنعت بها نفسك. أن تنظر في مرآة روحك، لا لتُعجبك الصورة، بل لتفهمها، لتُعيد تشكيلها، لتكتبها من جديد.
ولأن القلب هو مركز هذا التحول، فإن أولى خطوات التغيير هي أن تُعيد برمجته على الإيمان لا الخوف، على الجرأة لا التردد، على النور لا الظلال. أن تُدرّبه كما يُدرَّب الجندي على الثبات، وكما تُصقل السيوف في أتون النار. فالقلب الذي لم يُختبر، لا يُعوَّل عليه، والقلب الذي لم يُقاوم، لا يقود.
لا تنتظر من أحد أن يمنحك شجاعةً لم تزرعها في داخلك. الناس قد يفتحون لك الأبواب، لكنهم لا يستطيعون أن يدفعوك لعبورها. قد يُنيرون الطريق، لكنهم لا يسيرون به عنك. التغيير مسؤولية شخصية، لا تُستعار، ولا تُهدى، ولا تُفرض. إنه قرارك، حين تقرر أن تكون النسخة التي تستحقها، لا النسخة التي اعتدت عليها.
ولعل أجمل ما في هذا الطريق، أنه يبدأ بخطوةٍ صامتة، لا يراها أحد سواك. لحظةُ صدقٍ بينك وبين نفسك، تُعلن فيها أنك سئمت الدوران، وأنك مستعد لأن تدفع ثمن التحول. عندها فقط، يبدأ القلب في إعادة تشكيل العالم من حولك، لأن العالم في حقيقته، ليس إلا انعكاساً لما يسكنك.
فلا تكن كالفأر الذي ظن أن الخلاص في أنيابٍ مستعارة، ولا كالنمر الذي يسكنه خوف الصيادين رغم قوته. كن أنت… لكن بقلبٍ جديد. قلبٍ لا يرتجف عند أول اختبار، ولا ينهار عند أول عاصفة، بل يقف كجبلٍ صامت، تهب عليه الرياح، فيزداد ثباتاً.
في النهاية، التغيير ليس أن تصبح شخصاً آخر، بل أن تعود إلى ذاتك الحقيقية التي أرهقها الخوف، وغطّاها التردد، وأخفاها الزمن. أن تُزيح عنها غبار الهزائم، وتمنحها فرصة أن تُشرق كما خُلقت.
ابدأ من قلبك… فهناك، فقط، يولد كل شيء.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .