12:32 مساءً / 2 أبريل، 2026
آخر الاخبار

الشاعر الذي ترك الشارع وحيداً ، بقلم : محمد علوش

الشاعر الذي ترك الشارع وحيداً ، بقلم : محمد علوش


لم يرحل الشاعر وحده،
حين غاب،
انسحب معه شارع كامل،
يُسقط الضوء من كتفيه،
وتنطفئ في حجاره خطواتٌ كانت تعرفه باسمه.
عندما مرّ،
اتّسعت الأرصفة لخطاه،
وتدلّت الشرفات لتصغي إلى همسه مع الغيم،
والمقاهي احتفظت بصمته
كما تحتفظ الأكواب الأخيرة برائحة القهوة الباردة.
من الآن،
من سيوقظ المعنى من تعبِه؟
من سيقود الكلمات
إلى خبزها اليومي،
وإلى حريتها؟
هذا الشارع
الذي كان يلبس صوته كل صباح،
صار أضيق من غيابه،
كأن المسافة بين حجر وحجر
تحولت فجأةً إلى صرخة فراق.
حتى المصابيح
التي اعتادت ظلّه المسائي
ترتعش،
خائفة من العتمة،
من دون صوته.
هنا،
كان يقف مائلاً على تعب الأيام،
يشعل سيجارةً،
ويكتب على هواء المدينة
قصيدةً كالندى يغسل ألم الوطن.
هنا،
كان يسكب بعض نزيفه
كي نصبح أقل قسوة،
ويترك لنا نشيده
كي لا نصبح صامتين.
نزيفه كان لغةً أخرى،
لا تُرى،
لكنها كانت تسيل فينا
كلما قرأنا قلبه.
ونشيده يشبه صلاة البسطاء،
يشبه خبز الأمهات،
يشبه صوت الذين
لا يملكون إلا الحلم.
في قصائده،
يمرّ سرب أنبياء بملامح بشر عاديين،
أقدامهم متعبة،
وصاياهم صغيرة كهمسات الريح:
لا تخونوا قلوبكم،
لا تتركوا الحقيقة وحيدة،
ارفعوا صوت الإنسان
حين ينخفض صوت العالم.
لم يكن الشاعر جسداً فقط،
كان نافذةً نرى منها ما تبقّى منّا،
وكان مرآةً تخاف الأكاذيب أن تنظر في صفائها.
اليوم،
يمشي الشارع جنازته:
مقعده الفارغ، دفتره، ضحكته المؤجلة،
والقصائد التي تركها نصف مكتملة، تنتظر خطواته الأخيرة.
نم أيها المتعب،
دع لنا ضوءك المختبئ في اللغة،
ودع لنا نزيفك
كي نتعلم أن الألم قد يكون وطناً آخر.
ودع لنا نشيدك
كي لا نضيع في الصمت،
ودع لنا خطواتك
كي نعرف أن الذين يرحلون كباراً
يتركون قلوبهم دلائل طريق.

شاهد أيضاً

تفتح الزهور في العاصمة الصينية بكين

تفتح الزهور في العاصمة الصينية بكين

شفا – بكين 2 أبريل 2026 (شينخوا) في الصورة الملتقطة يوم أول أبريل 2026، زهور …