
مقبرة الغزازوة… ألفا أسير في أقفاصٍ معتمة ، بقلم : سامي إبراهيم فودة
في زمنٍ يُقاس فيه الضمير الإنساني بقدرته على رؤية الألم والاعتراف به، يقف أكثر من ألفي أسير من أبناء قطاع غزة في مواجهة واحدة من أشدّ صور القهر قسوةً ووحشية. ليسوا مجرد أرقام في سجلات الاعتقال، بل حكايات حيّة تُسجَن في الظل، وتُدفن وهي على قيد الحياة داخل ما بات يُعرف بـ”مقبرة الغزازوة”. هناك، حيث تُغلق الأبواب الثقيلة على أجسادٍ أنهكها الحصار والحرب، وتُحجب الشمس عن عيونٍ لم تعد ترى سوى العتمة، يتحول الاعتقال من إجراء قسري إلى منظومة عزلٍ ممنهجة، تُفرغ الإنسان من إنسانيته وتدفعه إلى حافة الانكسار.
في سجون مثل عوفر، والنقب، وركيفت، وصولًا إلى مراكز الاعتقال المستحدثة كـ”سديه تيمان”، تتكشّف صورة أكثر قتامة مما يُروى. أقسام مغلقة، عزلٌ تام، واحتجاز في ظروف أقرب إلى الأقفاص المعتمة، حيث يُحرم الأسرى من أبسط مقومات الحياة: الضوء، الهواء، العلاج، وحتى التواصل مع العالم الخارجي. إنها بيئة قاسية تُدار بمنطق العقاب الجماعي، لا بمنطق القانون.
يُحاصر الأسير داخل مساحة ضيقة، لا تتجاوز في كثير من الأحيان بضعة أمتار، تُقيّده الجدران كما تُقيّده القيود، ويُترك لمواجهة الزمن الثقيل بلا أدوات. لا زيارات، لا محامين، لا أخبار عن أهلٍ قد يكونون تحت القصف أو في النزوح. كل شيء خارج هذه الأقسام يبدو بعيدًا حدّ الغياب، وكأن الأسير قد اقتُلع من الزمن وأُلقي في فراغٍ مظلم.
ولأن الألم لا يُقاس فقط بما يُرى، بل بما يُخفى، فإن ما يجري داخل هذه الأقسام يتجاوز حدود الوصف. إذ تشير شهادات متطابقة إلى ممارسات قاسية، تبدأ بالإهمال الطبي، ولا تنتهي عند حدود الإذلال الجسدي والنفسي. يُترك المرضى دون علاج، وتُستخدم العتمة والعزل كوسائل لكسر الإرادة، في محاولة لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل… أو تحطيمه.
ومع ذلك، ورغم هذا السواد، لا تزال جذوة الصمود متقدة. فهؤلاء الأسرى، الذين يُراد لهم أن يتحولوا إلى ظلالٍ بلا صوت، يصرّون على البقاء حضورًا حيًا في ذاكرة الوطن. يقاومون بالصبر، بالصمت أحيانًا، وبالإيمان العميق بأن الظلم، مهما طال، لا يمكن أن يكون قدرًا دائمًا.
في ختام سطور مقالي:
“مقبرة الغزازوة” ليست مجرد تسمية عابرة، بل توصيف دقيق لحالة إنسانية مأساوية تُرتكب بعيدًا عن أعين العالم. إنها اختبار حقيقي لكل القيم التي يتغنّى بها المجتمع الدولي، وامتحان لمدى صدق الحديث عن حقوق الإنسان والعدالة.
لكن، في مقابل هذا الصمت، يقف الأسرى كعنوانٍ لا يُكسر. فهم، رغم العتمة، لا يُدفنون… بل يتحولون إلى ذاكرةٍ حيّة، وإلى شهادةٍ تُدين الظلم، وتُبقي الأمل حيًا في قلوب شعبٍ لم يتعلم يومًا كيف ينحني.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .