9:09 مساءً / 16 مارس، 2026
آخر الاخبار

“رمضان خلف القضبان… صيامٌ بلا هلال ووجعٌ بلا صوت” بقلم : غدير حميدان الزبون

“رمضان خلف القضبان… صيامٌ بلا هلال ووجعٌ بلا صوت” بقلم : غدير حميدان الزبون


في اللحظة التي يرتفع فيها الأذان من مآذن القدس، وتتلألأ الفوانيس في شوارع غزة، وتنبض البيوت العربية بروح الانتظار يقف الزمن عند أبواب الزنازين.


هناك في العتمة الثقيلة يمرّ الهلال خافتاً فلا تراه عيون الأسرى، ويبدأ رمضان بعيداً عن قلوبٍ تتوق إلى سماع تكبيرةٍ واحدة تؤكد أنّ الرحمة قد أقبلت.


خلف جدران السجون التابعة لـ مصلحة السجون الإسرائيلية يعيش الأسرى الفلسطينيون عزلةً تقطع صلتهم بالمواقيت والمناسبات فيدخل الشهر الكريم إلى العالم العربي والإسلامي كضيفٍ عزيز، بينما يتسلّل إلى زنازينهم كسرٍّ غامض.
لا إعلان، ولا تهنئة، ولا مدفع يدوّي في الأفق، فقط قلوب تتحسّس الزمن بحدسها، وتسأل بصمت: أأقبل رمضان؟
رمضان في وجدان الأمة أكثر من شهرٍ في التقويم.


هو نبضٌ جماعي، ولحظة اصطفاف روحي تمتد من المحيط إلى الخليج، ومن القدس إلى جاكرتا.
هو دفء العائلة حول مائدة واحدة، ودعاء الأم عند الغروب، إنّه ارتجافة الطفل وهو يجرّب صيامه الأول.
وفي مقابل هذا المشهد المضيء تقف الزنازين كجزرٍ معزولة في بحر الزمن؛ صيامٌ بلا هلال، وإفطارٌ بلا عائلة، وليلٌ طويل بلا تراويح جماعية.
أيُّ إحساسٍ يمرّ في قلب أسيرٍ يتحسّس الأيام بعدّها على الجدار؟


وأيُّ شوقٍ يتراكم في صدره وهو يتخيّل مائدةً في بيتٍ بعيد ينقصها صوته؟
في غزة والضفة والقدس والشتات أمهاتٌ يضعن أطباقاً، ويعرفن أنّ أصحابها غائبون خلف القضبان.
آباءٌ يرفعون أكفّهم بالدعاء مع أذان المغرب، وأعينهم معلّقة بصورةٍ على الجدار، وأطفالٌ يكبرون عاماً بعد عام، يتعلّمون معنى الصبر قبل أنْ يتعلّموا معنى العيد.


وفي الجهة الأخرى من الجدار رجالٌ ونساءٌ وشباب يواجهون الشهر بالصبر، ويصنعون من القليل طقساً، ومن الصمت تسبيحاً، ومن الانتظار عبادة.
رمضان في الزنزانة امتحانٌ للروح، وللصيام معنىً مضاعفاً من جوع الجسد وجوع الحرية إلى عطش النهار وعطش اللقاء.


ومع ذلك يبقى الأمل حيّاً؛ لأنّ الإيمان الذي حملهم إلى درب التضحية يمنحهم قدرةً على تحويل الجدران إلى محاريب، والقيود إلى سلاسل من نور في يقينهم الداخلي.


فيا أمةً يجمعها الهلال كلّ عام، يا من توحّدكم تكبيرةٌ واحدة في مشارق الأرض ومغاربها، إنّ للأسرى حقاً في ذاكرتكم، وحقاً في أصواتكم، وحقاً في دعائكم الذي يتجاوز الأسلاك الشائكة.
إنهم جزء من هذا الجسد الكبير؛ إذا تألم عضوٌ فيه تألمت الأمة كلها.
رمضان لحظة مراجعة للضمير الجمعي، وفرصةٌ لأنْ يتحوّل التعاطف إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى فعل.


رمضان هو أنْ يبقى اسم الأسير حيّاً في المجالس، وحاضراً في الخطب، ومذكوراً في الدعوات.


هو أنْ يشعر العالم العربي والإسلامي أنّ خلف تلك الجدران أرواحاً تصوم معنا، وتدعو معنا، وتحلم معنا بفجرٍ تتسع فيه السماء للجميع.


قد لا تصل تكبيرات العيد إلى داخل الزنازين، وقد يغيب عنهم صوت المدفع،
غير أنّ حضورهم في قلوبنا يجعل الهلال أقرب، والرحمة أوسع، والعدالة حلماً قابلاً للتحقق.


رمضان خلف القضبان حكاية حزن، وشهادة على صمود الإنسان حين يُحاصر. شهادة على أنّ الروح أقوى من الجدار، وأنّ الإيمان أوسع من الزنزانة، وأنّ الأمة مهما طال صمتها تبقى قادرة على أنْ تستعيد صوتها.


وفي كل تكبيرةٍ نرفعها هناك دعاءٌ خفيّ بأنْ يجيء رمضانٌ قريب والهلال يُرى من نافذة حرية لا من شقٍّ في جدار.
وفي الليلة التي يكتمل فيها القمر، وتفيض السماء بضيائها يبقى سؤال الحرية معلقاً كنجمةٍ لا تنطفئ، فخلف كل بابٍ موصد روحٌ تؤمن أنّ الفجر لا يُلغى، وأنّ الضوء، مهما تأخر يعرف طريقه إلى الشقوق الصغيرة.


الأسرى لا ينتظرون شفقةً، إنهم ينتظرون عدلاً ينهض من سباته، وضميراً عربياً إسلامياً يتذكّر أنّ الكرامة لا تتجزأ، وأنّ رمضان رسالة تحرّر قبل أنْ يكون موسماً للصوم.


ليكن دعاؤنا هذا العام أوسع من حدود بيوتنا، وأعلى من سقوف مساجدنا، وأصدق من دمعةٍ عابرة.
ليكن دعاؤنا وعداً أخلاقياً بأنْ يبقى اسم الأسير حيّاً في الذاكرة، ونابضاً في الخطاب، وحاضراً في الفعل.
فالهلال الذي لا تراه عيونهم اليوم تراه قلوبهم يقيناً.


نعم، يقيناً بأنّ الليل مهما طال سيسلّم مفاتيحه للفجر.


وعند أول تكبيرة عيدٍ قادم سيكتب التاريخ أنّ الصبر انتصر، وأنّ الزنازين انكسرت أمام إرادة الإنسان، وأن رمضان كان شاهداً على أنّ الروح الفلسطينية وروح الأمة معها أقوى من كلّ قيد.

شاهد أيضاً

لين جيان

متحدث: الصين تأمل أن تحل أفغانستان وباكستان الخلافات والنزاعات من خلال الحوار

شفا – تأمل الصين أن تحافظ أفغانستان وباكستان على الهدوء، وأن تمارسا ضبط النفس، وأن …