
حين يصعد الحلم فوق القيود: قراءة إنسانية في رواية “أحلام القعيد سليم” بقلم : قمر عبد الرحمن
لا شك أنّ رواية “أحلام القعيد سليم” للأديب الفلسطيني نافذ الرفاعي، تنبض بالحلم كما ينبض القلب الفلسطيني، لا يعرف الحدود، ولا يقف أمام الجدران، ولا يلين أمام القيود. سليم القعيد، الذي انهار جسده بعد حادثة الورشة، يقف في حضن الألم كزهرة تتحدى الصخور، كطائر يبحث عن فجره وسط عتمة الليل الطويل. هو لا يتسلق شجرة الجميز من أجل نفسها، بل يتسلقها من أجل روحه، من أجل حريته، من أجل أن يقول للحياة: “أنا موجود، أنا باقٍ، أنا أستحق أن أحلم”.
الشجرة في الرواية رمزٌ وتاريخٌ وذاكرة، وكلّ غصنٍ فيها قصة، وكلّ ورقةٍ فيها مرجع إلى فلسطين القديمة، إلى المسيح المار بها، إلى زكا الأعشار الذي نظر إلى الحياة بعينين جريئتين. وعندما يزحف سليم على الغصن الأخير، تتشابك الأرض مع السماء، والجسد مع الروح، والحلم مع الواقع، في لوحةٍ واحدة من الصمود والتحدي.
النساء في الرواية (عواطف وأمل) هنّ نهر الحياة المتدفق، هنّ الحنين الذي لا يموت، هنّ القوة التي ترفع الإنسان رغم سقوطه. عواطف الحبيبة، رمز للحب الذي يشعل الإرادة، وأمل الأخت، رمز للصبر والوفاء، لكلّ خطوة يخطوها سليم على غصون الشجرة، ينبثق صدى دعمهن، كنسيم يشق الصمت.
أسماء الشخصيات ليست صدفة: سليم، رغم جسده المقهور، يحمل سلام الروح، وعواطف تمنح القلب دفئه، وأمل تزرع بذور الصبر والإيمان بالمستقبل.
الرفاعي يسرد التاريخ والجغرافيا الفلسطينية كما يسرد الحلم: شجرة الجميز، وادي المحزور، بلوط سيدنا إبراهيم، البحر الميت، كلّ موقعٍ له صدى في الذاكرة، وكلّ حجرٍ يحكي قصة الأرض، وكلّ ريحٍ تمر تنقل الحكاية إلى قلب القارئ. هو يسرد الفلسطيني كما يسرد الإنسان، كما يسرد الحب والإرادة.
الحوار الداخلي لسليم هو قلب الرواية: الصراع بين الطموح والخوف، بين القيود والحرية، بين الحب والمجتمع. هو يتساءل عن ذاته، عن قدره، عن مستقبله، عن الحلم الذي يرفرف فوق رأسه.
أسلوب الرفاعي هنا قريب من الشعر: الأسئلة متتابعة كنبض القلب، والتأملات تطوف حول الروح كما تطوف الريح فوق الجبال.
في هذه الرواية، الإرادة تصبح طاقة، والحلم يصبح فعلًا، والوجود يصبح مقاومة. الصعود على الشجرة ليس مجرد حركة جسدية، إنما صعود على الذات، وعلى القيود، وعلى الخوف. الرواية تعيد للإنسان ثقته بنفسه، وتعيد للأرض الفلسطينية تاريخها، وتعيد للحب قدره، وتعيد للروح معنى الحياة.
في النهاية، رواية “أحلام القعيد سليم” قصيدة حياة مكتوبة بالحبر والدم، بالوجدان والأمل، بالصبر والإصرار. هي دعوةٌ للإنسان كي يقف أمام قيوده، ويصرخ في وجه الألم: “أنا باقٍ.. أنا أحلم.. وأنا قادر على الصعود”.
وكلّ غصنٍ على تلك الشجرة؛ هو رسالةٌ لكلّ فلسطيني، لكلّ إنسان، لكلّ من يحمل قلبًا يرفض الانكسار.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .