
صحاب الأرض… حين تُحاكم الدراما رواية السيف ، بقلم: سامي إبراهيم فودة
مقدمة
ليست الدراما ترفًا بصريًا، ولا حكاية تُروى لتمضية الوقت. الدراما، حين تشتبك مع الحقيقة، تصبح وثيقة أخلاقية، ومحكمةً مفتوحة في وجه الصمت.
ومنذ الإعلان عن مسلسل «صحاب الأرض»، بطولة إياد نصار ومنى شلبي، بدا واضحًا أن العمل لن يمرّ عابرًا على الشاشات العربية، بل سيدخل إلى منطقة مشتعلة سياسيًا وإنسانيًا، لأنه يضع إصبعه على جرح غزة النازف، ويروي – بلغة الفن – ما حاولت آلة الحرب طمسه بلغة النار.
وقبل أن يُبثّ على الشاشات، أثار المسلسل غضب الإعلام العبري في إسرائيل، لا لخللٍ فني، بل لفرط اقترابه من الحقيقة.
حين تخاف الرواية من المرآة
ليس جديدًا أن تخاف السلطة من الكلمة، لكن الجديد أن تخاف من مشهدٍ درامي.
ما الذي يخيف في مسلسل؟
إنه الخوف من الصورة حين تنطق، من أمٍّ تبكي على ركام بيتها، من طفلٍ يركض بين الغبار، من طبيبٍ يداوي تحت القصف، ومن سؤالٍ أخلاقيٍّ يُطرح على الملأ: من صاحب الأرض؟ ومن العابر فوق دمها؟
«صحاب الأرض» لا يرفع شعارًا سياسيًا مباشرًا، بل يقدّم حكاية إنسانية عن حرب الإبادة على غزة، عن شعبٍ يُذبح على مرأى العالم، وعن إنسانٍ بسيط يحاول أن يتمسّك بالحياة في قلب العاصفة.
والفن حين يجرّد المأساة من الأرقام، ويمنحها وجوهًا وأسماء، يصبح أكثر خطورة من نشرات الأخبار.
الإعلام العبري لم يغضب من تمثيل إياد نصار ولا من أداء منى شلبي، بل من الفكرة ذاتها: أن تُروى غزة بلسانٍ عربيٍّ حر، وأن تُعرض المأساة خارج سياق الرواية الرسمية التي اعتادت احتكار السرد.
غزة… من الركام إلى الشاشة
غزة ليست عنوانًا عابرًا في نشرة الأخبار.
هي أمٌّ تبحث عن ابنها تحت الأنقاض.
هي أبٌ يخبئ خوفه كي لا ينهار البيت فوق رؤوس أطفاله.
هي مدينة تُقصف ثم تقوم، تُحاصر ثم تتنفس، تُجوّع ثم تُنبت خبزها من وجعها.
المسلسل، كما تابعنا حلقاته، لا يستثمر الألم للفرجة، بل يضع المشاهد أمام اختبار الضمير.
المشاهد العربي لا يرى فقط مشاهد حرب، بل يرى ذاته، يرى سؤال العدالة، يرى معنى الانتماء للأرض حين تصبح الأرض قدرًا وهويةً ووصية.
وهنا تكمن قوة العمل: أنه يعيد تعريف «صحاب الأرض» لا بوصفهم حملة سلاح فقط، بل حملة ذاكرة، وحملة بقاء.
الدراما كسلاحٍ أخلاقي
في زمنٍ تُشوَّه فيه الحقائق، تصبح الدراما أداة استعادة للوعي.
الكاميرا قد تكون أصدق من البيان، والمشهد قد يكون أبلغ من الخطاب السياسي.
وإذا كانت الحرب تُخاض بالدبابات، فإن الرواية تُخاض بالصورة والكلمة.
إن غضب الإعلام العبري قبل بث العمل يكشف حقيقة بسيطة:
الرواية العربية حين تكون متماسكة ومبنية فنيًا، تصبح مصدر قلق.
لأنها تكسر احتكار الحكاية، وتعيد ترتيب المشهد، وتقول للعالم إن للدم الفلسطيني شاهدًا لا يموت.
في ختام سطور مفالي:
«صحاب الأرض» ليس مجرد مسلسل، بل موقفٌ فنيٌّ وأخلاقي.
هو إعلان بأن غزة ليست خبرًا عابرًا، ولا رقمًا في نشرة عاجلة، بل قصة إنسانٍ يقاوم الفناء.
وإذا كانت بعض المنابر قد انزعجت من العمل قبل أن يُعرض، فذلك لأن الفن – حين يصدق – يُربك من اعتادوا على روايةٍ بلا منازع.
ستبقى الأرض لأصحابها،
وستبقى الحكاية لمن يملك الجرأة على روايتها.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .