
تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث ، قراءة في أزمة الذات في ادب نجيب محفوظ ومحمود المسعدي ، بقلم : مجيدة محمدي
مقدمة
لم يعد مفهوم الهزيمة في الأدب العربي الحديث محصورًا في دلالته السياسية أو العسكرية، بل اتّخذ أبعادًا أعمق، تمسّ بنية الوعي، وتكشف تصدّع العلاقة بين الذات والعالم. فالهزيمة، منذ منتصف القرن العشرين، غدت حالة وجودية مركّبة، يتداخل فيها التاريخي بالثقافي، والجماعي بالذاتي، ما جعل الأدب أحد أبرز الحقول التي استوعبت هذا التحوّل، لا بوصفه انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل باعتباره فعلًا تأويليًا يعيد صياغة الخسارة في لغة، وصورة، وبنية سردية.
في هذا السياق، تبرز أعمال نجيب محفوظ ومحمود المسعدي بوصفها نماذج دالّة على تحوّل الهزيمة من حدث خارجي إلى أزمة داخلية. فمحفوظ، في الشحّاذ وسلسلة رواياته التأملية، ينقل الصراع إلى داخل الذات الحديثة، حيث يصبح الانكسار فقدانًا للمعنى قبل أن يكون سقوطًا سياسيًا. أما المسعدي، في السد وحدّث أبو هريرة قال…، فيؤسّس لخطاب أدبي فلسفي يرى الهزيمة قدرًا أنطولوجيًا للإنسان في صراعه مع المطلق، والطبيعة، والوجود.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث، من خلال مقاربة نموذجين سرديين مختلفين في اللغة والسياق، متقاطعين في الجوهر: أزمة الذات، وقلق المعنى، واستحالة الاكتمال.
أولًا: الهزيمة بوصفها أزمة ذات في الأدب العربي الحديث
أسهمت التحوّلات السياسية والفكرية التي عرفها العالم العربي في تفكيك التصوّرات الكلاسيكية للذات، فبرز في الأدب نموذج الإنسان الممزّق بين وعيه النقدي وعجزه الوجودي. ولم تعد الهزيمة تُصوَّر بوصفها هزيمة جماعية فقط، بل كشرخ داخلي، يتجسّد في القلق، والضياع، والبحث العبثي عن المعنى.
هذا التحوّل يجعل من الذات مركزًا للسرد، ويحوّل الأدب إلى مختبر لفحص الهزيمة في مستوياتها النفسية والفكرية، وهو ما يتجلّى بوضوح في روايات نجيب محفوظ ومحمود المسعدي.
ثانيًا: نجيب محفوظ والهزيمة الداخلية للذات الحديثة
تُعدّ رواية الشحّاذ (1965) من أبرز النصوص التي عالجت الهزيمة بوصفها فراغًا وجوديًا. فالبطل، عمر الحمزاوي، ليس مهزومًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا، بل مثقف ناجح، غير أنّه يعاني خواءً داخليًا، وفقدانًا للغرض، ما يجعله شحّاذًا للمعنى لا للحياة.
الهزيمة هنا ليست سقوطًا خارجيًا، بل عجز الذات عن التحقّق، وعن التوفيق بين الفكر والفعل. ويستمر هذا الهاجس في روايات محفوظ الأخرى مثل الطريق وثرثرة فوق النيل، حيث تتجلّى الهزيمة في صورة العبث، والانفصال عن الواقع، والانكفاء إلى اللامبالاة.
يعتمد محفوظ سردًا نفسيًا وتأمليًا، يجعل من الشخصية فضاءً لتجلّي الانكسار، ومن المدينة الحديثة مسرحًا للضياع، وبذلك تتحوّل الرواية إلى نقد عميق للوعي العربي الحديث، الذي امتلك المعرفة، لكنه فقد البوصلة.
ثالثًا: محمود المسعدي والهزيمة بوصفها قدرًا وجوديًا
على خلاف محفوظ، لا ينطلق محمود المسعدي من واقع اجتماعي مباشر، بل يؤسّس نصوصه على بعدٍ فلسفي وتجريدي. ففي السد، تتجلّى الهزيمة في صراع الإنسان مع الطبيعة، وفي وهم السيطرة على المصير. فالسدّ، بوصفه رمزًا، يتحوّل إلى تعبير عن طموح الإنسان المطلق، وعن حتمية سقوطه أمام قوانين الوجود.
أما في حدّث أبو هريرة قال…، فتتخذ الهزيمة شكل قلق وجودي عميق، حيث يعيش البطل صراعًا بين الجسد والروح، وبين الرغبة والمعرفة. هنا، لا تكون الهزيمة نتيجة حدث، بل نتيجة وعي الإنسان بمحدوديته، وباستحالة الإمساك بالحقيقة الكاملة.
لغة المسعدي المكثّفة، المشبعة بالبعد الفلسفي والتراثي، تجعل من الانكسار تجربة معرفية، لا مجرّد مأساة نفسية، وتمنح الهزيمة بُعدًا كونيًا يتجاوز السياق العربي المحلي.
رابعًا: من الانكسار إلى مساءلة المعنى
على الرغم من اختلاف السياق والأسلوب، يلتقي محفوظ والمسعدي في جعل الهزيمة مدخلًا لمساءلة المعنى. فالهزيمة، في نصوصهما، ليست نهاية، بل لحظة وعي حاد، تكشف زيف اليقينيات السابقة، وتضع الإنسان أمام أسئلته العارية.
وهكذا، يتحوّل الأدب من رصد للانكسار إلى فعل نقدي، يعيد التفكير في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، ويمنح الهزيمة وظيفة معرفية وجمالية في آن واحد.
الخاتمة
تبيّن هذه القراءة أنّ تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث تتجاوز بعدها التاريخي، لتغدو تعبيرًا عن أزمة وجودية عميقة. ففي روايات نجيب محفوظ، تتجلّى الهزيمة في فراغ الذات الحديثة، وعجزها عن التوفيق بين الوعي والفعل. أما عند محمود المسعدي، فتتخذ الهزيمة بعدًا أنطولوجيًا، يكشف حدود الإنسان في مواجهته للمطلق والوجود.
لقد أسهم هذا التناول في تحويل الأدب العربي الحديث إلى فضاء للتأمّل النقدي، لا في أسباب الهزيمة فحسب، بل في معناها الإنساني العميق. ومن ثمّ، يمكن القول إن الأدب، وإن كتب من موقع الانكسار، ظلّ قادرًا على إنتاج وعي جديد، يجعل من الهزيمة لحظة كشف، لا مجرّد سقوط.
المراجع
نجيب محفوظ، الشحّاذ، دار الشروق، القاهرة.
نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النيل، دار الشروق، القاهرة.
نجيب محفوظ، الطريق، دار الشروق، القاهرة.
محمود المسعدي، السد، الدار التونسية للنشر.
محمود المسعدي، حدّث أبو هريرة قال…، الدار التونسية للنشر.
فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي.
صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة.
عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي.
إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب.
- – مجيدة محمدي – تونس
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .