
الدستور المؤقت إعادة ضبط المعنى السياسي للدولة ، بقلم : اللواء أنور رجب
القرار الرئاسي بنشر المسودة الأولى للدستور المؤقت يضع النقاش الوطني في مكانه القويم عند سؤال الدولة وليس إدارة الأزمة. فالدستور هنا أداة ضبط للمرحلة، ومحاولة واعية لانتزاع المبادرة من منطق الفوضى الذي فرضه الانقلاب على الشرعية والمؤسسات.
ويأتي القرار بنشر المسودة، وفتح باب تلقي الملاحظات لمدة ستين يوما لتعكس إدراكا بأن الشرعية تبنى بالمشاركة المنظمة وإشراك المجتمع، بمكوناته السياسية والأكاديمية والمدنية، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة على أساس الشراكة، ويمنح النص الدستوري ثقله المعنوي قبل أن يكتسب صفته القانونية.
الدستور المؤقت، بطبيعته، لا يدعي الكمال، لكنه يضع خطوطا فاصلة بين السلطات، ويحدد المرجعيات، ويمنع تسيب القرار الوطني. وفي هذا المعنى، فهو وثيقة تحصين سياسي بقدر ما هو نص قانوني، تهدف الى منع تكرار تجارب فرض الأمر الواقع والانقلاب على النظام السياسي.
سياسيا، يحمل القرار رسالة داخلية واضحة مفادها أن الدولة الفلسطينية مشروع حي، يبنى بالتراكم، لا يؤجل بانتظار لحظة مثالية قد لا تأتي. كما أنه يعيد الاعتبار لفكرة النظام، في مواجهة محاولات تفريغها وتحويلها الى مجرد شعار. أما على المستوى الدولي، فان نشر مسودة دستور مؤقت يقدم فلسطين بوصفها كيانا سياسيا مسؤولا، يعمل وفق منطق الدولة لا منطق الحركة، حيث تقاس الدول بقدرتها على انتاج القانون واحترامه، ويصبح المسار الدستوري أحد أهم أدوات المواجهة السياسية والدبلوماسية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل اعتراضات بعض القوى، وفي مقدمتها حماس، على مسار الدستور المؤقت. غير أن هذا الاعتراض، في جوهره، لا يبدو متصلا بطبيعة النص أو أهدافه المرحلية بقدر ما يعكس مناكفة سياسية تكرس عقلية الانقلاب ومنطق التعطيل، أكثر مما تعبر عن حرص فعلي على مصلحة الشعب والقضية. فالدستور المطروح مؤقت بطبيعته، ومسودة مفتوحة للنقاش العام لا وثيقة نهائية مفروضة، ما يجعل رفضه المسبق رفضا لفكرة الحوار المنظم ذاتها.
كما أن القول بأن الدستور لا يلبي طموح الفلسطينيين يتجاهل عمدا كونه إطارا انتقاليا لضبط المرحلة لا عقدا نهائيا للدولة المكتملة السيادة. وبهذا الخطاب، يجري لَي الحقيقة مرتين: مرة بتصوير المؤقت على أنه دائم، ومرة بتصوير النقاش على أنه إملاء. والنتيجة العملية لمثل هذا الطرح ليست تطوير النص، بل نسف فكرة النقاش الدستوري من أساسها، وإبقاء المجال مفتوحا للفوضى بدل الاحتكام إلى قواعد مشتركة.
الرهان الحقيقي يبقى في تحويل النقاش العام الى تعديلات حقيقية تعكس المصلحة الوطنية. عندها فقط، يصبح الدستور المؤقت خطوة تأسيس، لا مجرد وثيقة عابرة. الرهان الحقيقي في كيفية التعامل مع الملاحظات، وفي مدى الجدية في البناء التشاركي. وهو ليس إجراء فنيا، ولكن اختيارا سياسيا لتثبيت الدولة قبل اكتمال السيادة، وحماية المشروع الوطني بالقانون قبل أن تحاصره الوقائع.
- – اللواء أنور رجب – المفوض العام لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي والناطق الرسمي لقوى الأمن الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .