
الاستعمار المستمر: بريطانيا وفرنسا بين فلسطين والجزائر ، بقلم: مصعب الصباريني
في الخطاب السياسي المعاصر، لا يختزل مفهوم «الاستعمار الجديد» في كونه مرحلة تاريخية انقضت، بل يفهم بوصفه منظومة متواصلة من النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي تمارسها قوى استعمارية سابقة على دول نالت استقلالها الشكلي، بينما بقيت رهينة لعلاقات غير متكافئة، وتعدّ فلسطين والجزائر من أكثر النماذج وضوحاً على هذا النمط، حيث لم ينقطع الخيط الواصل بين الماضي الاستعماري والحاضر السياسي، بل أعيد إنتاجه بأدوات أقل مباشرة، مع الحفاظ على جوهره القائم على نظرة دونية للسكان الأصليين، بوصفهم شعوباً يمكن إدارة شؤونها، والتصرف بمصائرها، وفقاً لمصالح القوى المهيمنة.
في الحالة الفلسطينية، يتجسد الإرث البريطاني منذ مرحلة الانتداب (1920–1948)، التي مثّلت الإطار القانوني والسياسي لتكريس السيطرة البريطانية، ويشكّل وعد بلفور الصادر عام 1917 التعبير الأوضح عن هذه العقلية، إذ منحت بريطانيا نفسها حق تقرير مصير أرض وشعب، متجاهلة بصورة كاملة الحقوق السياسية والتاريخية للأغلبية العربية الفلسطينية، ولم يكن الوعد خطأً دبلوماسياً عابراً، بل تأسيساً واعياً لبنية صراع طويل الأمد، عومل فيه الفلسطينيون كمسألة إدارية أو ديموغرافية، لا كشعب يتمتع بحق تقرير المصير، وقد استند هذا النهج إلى تصور استعماري يرى في فلسطين مساحة قابلة لإعادة الهندسة السياسية بما يخدم المصالح الإمبراطورية والإمبريالية التوسعية.
لم ينته هذا المنطق مع انتهاء الانتداب، بل استمر بأشكال جديدة، ففي العقود اللاحقة، اتخذ النفوذ البريطاني طابعاً غير مباشر، عبر دعم سياسي ودبلوماسي متواصل لإسرائيل، وتعاون عسكري وأمني، يقابله خطاب نقدي محدود للاستيطان والانتهاكات، لا يتجاوز حدود التصريحات اللفظية، وبينما تتكرر الدعوات إلى «حل الدولتين» والتعبير عن «القلق»، تظل السياسات العملية منحازة إلى تثبيت واقع الاحتلال والتمييز البنيوي، ويعكس هذا التناقض استمرار المقاربة ذاتها التي تقدّم أمن إسرائيل ومصالحها الاستراتيجية على حقوق الفلسطينيين وحياتهم، بما يوحي بأن معاناتهم تبقى مسألة ثانوية في ميزان المصالح الدولية.
أما في الجزائر، فقد اتخذ الاستعمار الفرنسي شكلاً مباشراً وأكثر عنفاً، منذ بدء الاحتلال عام 1830 وحتى الاستقلال عام 1962، وقد بني هذا الاستعمار على عقيدة «الرسالة الحضارية»، التي شرعنت القمع والاستيطان ونزع الإنسانية عن الجزائريين، بوصفهم شعباً أدنى منزلة، وبلغ هذا المنطق ذروته خلال التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، حين استخدمت الأرض والسكان كميدان اختبار لتحقيق طموحات فرنسا النووية، ولم تكن تلك التجارب مجرد وقائع عسكرية، بل جريمة موثقة، استخدم فيها جنود ومعتقلون جزائريون لدراسة آثار الإشعاع، في تعبير فاضح عن استهتار كامل بحياة الإنسان الجزائري.
ولم يُطوَ هذا الملف مع الاستقلال، إذ لا تزال فرنسا ترفض حتى اليوم تقديم خرائط دقيقة لمواقع النفايات المشعة، أو الاعتراف الكامل بمسؤوليتها القانونية والأخلاقية، أو دفع تعويضات عادلة وشاملة للضحايا، ويعكس هذا التردد استمرار العقلية الاستعمارية نفسها، التي لا ترى في الأضرار البيئية والصحية التي لحقت بالجزائر قضية تستدعي معالجة عاجلة، كما أن استمرار الهيمنة الاقتصادية والتدخل السياسي الفرنسي، سواء في الجزائر أو في منطقة الساحل الإفريقي، يكشف عن شعور مزمن بالوصاية و«الحق في الإرشاد»، وكأن الاستقلال لم يكن سوى تعديل شكلي في طبيعة العلاقة.
وعلى الرغم من اختلاف السياقين الفلسطيني والجزائري من حيث الشكل التاريخي، فإن القاسم المشترك بين التجربتين يتمثل في إنكار المسؤولية الاستعمارية، وإعادة إنتاج علاقات عدم المساواة بوسائل معاصرة، ففي فلسطين، تقدّم بريطانيا نفسها اليوم كطرف محايد في «صراع معقّد»، متجاهلة دورها التأسيسي في خلق شروط هذا الصراع، وفي الجزائر، تلجأ فرنسا إلى خطاب «الذاكرة المشتركة» لتفادي الاعتذار الصريح والتعويض الكامل، في إنكار ضمني لمبدأ المساواة الإنسانية بين الضحايا والجلاد.
إن ما يجمع بين لندن وباريس لا يقتصر على تاريخهما الاستعماري، بل يتعداه إلى حاضر لا يزال محكوماً بالمنطق نفسه: منطق تقسيم البشر إلى مراتب، وتبرير الظلم باسم المصالح العليا والقيم المعلنة، ومن دون اعتراف حقيقي بهذه الجذور الفكرية، يبقى الحديث عن الشراكة أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان خطاباً انتقائياً يفتقر إلى المصداقية.
فالتحرر الحقيقي من الاستعمار لا يتحقق بتفكيك مظاهره العسكرية أو إعادة التفاوض على الاتفاقيات الاقتصادية فحسب، بل يقتضي تفكيك العقلية الإمبريالية ذاتها، والتخلي عن وهم التفوق الذي لا يزال يحكم علاقة القوى الاستعمارية السابقة بالشعوب التي أخضعتها، ومن دون ذلك، ستبقى فلسطين والجزائر، ومعهما شعوب أخرى، تعيش في ظل استعمار لم يغيّر اسمه، لكنه لم يتخلّ عن جوهره.
- كاتب وباحث فلسطيني يقيم في روسيا
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .