1:20 صباحًا / 11 فبراير، 2026
آخر الاخبار

أربعة عشر عامًا من ممارسة الصحافة بوصفها مسؤولية ، “ الكاتبة رانية مرجية ” تكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

لا تحضر الذكرى الرابعة عشرة لانطلاقة شفا نيوز كمناسبة احتفالية تقليدية، ولا كرقم يُضاف إلى تسلسل زمني محايد، بل بوصفها لحظة مراجعة مهنية واعية، تفرض إعادة التفكير في معنى الصحافة الفلسطينية ودورها في زمن تتعرض فيه الحقيقة للاستهداف، وتُستنزف فيه اللغة، ويُعاد فيه تشكيل الوعي العام تحت ضغط القوة والسرديات المفروضة.

أربعة عشر عامًا من العمل الإعلامي في السياق الفلسطيني ليست زمنًا عاديًا، بل زمنًا مكثفًا بالتحولات القاسية؛ تحولات سياسية واجتماعية وإنسانية انعكست مباشرة على وظيفة الإعلام، وحدود المهنية، وأخلاقيات نقل الخبر. ومن داخل هذا الواقع المعقّد، تشكّلت شفا نيوز منذ بدايتها كمنصة لم تكتفِ بنقل الحدث، بل سعت إلى تقديمه بوصفه معرفة قابلة للفهم والتحليل، لا مجرد معلومة عابرة.

منذ انطلاقتها، لم تنحز شفا نيوز إلى منطق السرعة المطلقة، ولا إلى الإثارة السهلة، ولا إلى اللهاث خلف العناوين الجاذبة على حساب المضمون. بل اختارت مسارًا أكثر صعوبة: صحافة تحترم عقل القارئ، وتدرك أن نقل الخبر في الحالة الفلسطينية فعلٌ مشحون بالأسئلة الأخلاقية والمهنية. فكيف يمكن رواية المأساة دون ابتذالها؟ وكيف يمكن نقل الألم دون تحويله إلى استهلاك يومي يفقد معناه الإنساني؟

في مشهد إعلامي عربي بات في كثير من مفاصله رهينة التمويل المشروط، أو أسير الاستقطاب الحاد، أو ضحية الخوارزميات، حافظت شفا على خط تحريري متوازن، يقوم على قناعة أساسية مفادها أن الحياد المهني لا يعني التخلي عن الحقيقة، وأن الانحياز للإنسان لا يتناقض مع المعايير الصحفية، بل يمنحها جوهرها.

أحد أبرز التحديات التي واجهتها الصحافة الفلسطينية، وما زالت، هو تطبيع المأساة:
أن يتحول القتل إلى رقم،
والهدم إلى خبر عابر،
والضحايا إلى أسماء تُمحى بسرعة التحديثات.
في مواجهة هذا الخطر، لم تكتفِ شفا نيوز بنقل الوقائع، بل عملت – عبر التحليل، والرأي، والقراءة النقدية – على إعادة الإنسان إلى قلب النص، وحماية الذاكرة من التآكل، ومن مقاومة تحويل المأساة إلى مشهد مألوف فاقد للأثر.

ولهذا، لم يكن حضور المقال التحليلي والنص الرأيي العميق في شفا نيوز إضافة شكلية، بل خيارًا تحريريًا واعيًا. خيارًا يؤمن بأن الصحافة ليست ممارسة تقنية فقط، بل فعل معرفي، ومساحة مساءلة، ومعركة مستمرة على المعنى في وجه التبسيط والتشويه.

وعبر مسيرتها، فتحت شفا صفحاتها لأصوات فكرية وإعلامية متعددة من فلسطين والعالم العربي، لا بوصف ذلك تزيينًا للمحتوى أو مجاملة للأسماء، بل كجزء من مشروع نقاشي يعيد الاعتبار للسؤال، وللاختلاف، وللنقد المهني المسؤول في زمن الاصطفافات الحادة.

اليوم، في عامها الرابع عشر، تواجه شفا نيوز اختبارًا مضاعفًا:
اختبار الاستمرار في زمن الإنهاك العام،
واختبار الحفاظ على المعايير المهنية في بيئة إعلامية تتراجع فيها الحدود بين الخبر والرأي، وبين الصحافة والدعاية.
والإجابة التي قدّمتها شفا لم تكن خطابًا نظريًا، بل ممارسة يومية تقوم على الاستمرار الواعي؛ استمرار لا يُفهم بوصفه عادة، بل موقفًا مهنيًا وأخلاقيًا.

إن ما راكمته شفا نيوز خلال أربعة عشر عامًا لا يقتصر على محتوى إخباري متواصل، بل يتمثل في أرشيف معرفي إعلامي يوثّق مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد، ويؤكد أن الصحافة الفلسطينية، رغم الاستهداف والضغوط، ما زالت قادرة على إنتاج خطاب عقلاني، نقدي، وغير مبتذل.

في زمن الانهيارات الكبرى، لا تحتاج الصحافة إلى رفع الصوت بقدر ما تحتاج إلى رفع مستوى الفهم.
ولا تحتاج القضية الفلسطينية إلى مزيد من التكرار، بل إلى مزيد من التفكيك والتحليل والاشتباك المهني مع الواقع.

ومن هنا، يمكن القول بثقة مهنية هادئة:
إن شفا نيوز لم تكن يومًا مجرد موقع إخباري،
بل مساحة عمل صحفي تحترم الوعي، وتحرس المعنى، وتدرك أن الكلمة – حين تُكتب بمسؤولية – تصبح فعلًا من أفعال الصمود.

أربعة عشر عامًا من ممارسة الصحافة في حقل بالغ القسوة…
وأربعة عشر عامًا من الإيمان بأن الصحافة، حين تُمارَس بضمير مهني،
ليست وظيفة يومية فحسب،
بل مسؤولية تاريخية تجاه الحقيقة والإنسان معًا.

شاهد أيضاً

لا يمكن للحقيقة أن تفنى .. فسيبقى البث نابضًا حيًّا لا يُهزم ، “ الكاتبة هالة دغامين ” تكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

لا يمكن للحقيقة أن تفنى .. فسيبقى البث نابضًا حيًّا لا يُهزم ، “ الكاتبة هالة دغامين ” تكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

لا يمكن للحقيقة أن تفنى .. فسيبقى البث نابضًا حيًّا لا يُهزم ، “ الكاتبة …