1:18 صباحًا / 11 فبراير، 2026
آخر الاخبار

أربعة عشر عاماً من صناعة الوعي في زمن التحوّلات والاشتباك الرقمي ، “ الأستاذ رشاد أبو حميد ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

تحلّ الذكرى الرابعة عشرة لانطلاقة شبكة فلسطين للأنباء «شفا» في لحظة فلسطينية استثنائية، تتقاطع فيها التحديات الوطنية مع التحولات التكنولوجية المتسارعة، ويتحوّل فيها الإعلام من مجرد ناقل للأحداث إلى ساحة اشتباك حقيقية على الوعي والرواية والذاكرة. ففي ظل احتدام الصراع على الحقيقة، وتكثيف محاولات تزييف الرواية الفلسطينية، تبرز «شفا» كنموذج لإعلام وطني أدرك مبكراً أن الكلمة لم تعد محايدة، وأن الموقف الأخلاقي والمهني بات شرطاً أساسياً للبقاء والتأثير.

منذ انطلاقتها، لم تتعامل «شفا» مع الخبر بوصفه مادة استهلاكية عابرة، بل كجزء من معركة الوعي الفلسطيني. فقد ربطت بين الحدث وسياقه، وبين الخبر وخلفياته السياسية والاجتماعية، وقدّمت للقارئ رواية فلسطينية متماسكة، تستند إلى المعلومة الدقيقة والتحليل الرصين، دون أن تنفصل عن نبض الشارع وهموم الإنسان الفلسطيني اليومية.

لقد جاءت «شفا» في زمن كانت فيه الساحة الإعلامية الفلسطينية تعاني من تحديات جسيمة، أبرزها محدودية الإمكانيات، وضغط الواقع السياسي، وهيمنة الرواية الإسرائيلية على المنصات الدولية. ومع ذلك، استطاعت الشبكة أن تشق طريقها بثبات، معتمدة على كوادر مؤمنة برسالتها، وعلى شبكة من الكتّاب والمحللين والأكاديميين الذين أسهموا في بناء محتوى نوعي، يتجاوز اللحظة الخبرية إلى الفعل الثقافي والفكري.

ومع تسارع التحولات التكنولوجية، ودخول الإعلام الرقمي مرحلة جديدة قوامها الذكاء الاصطناعي، ومنصات التواصل الاجتماعي، والصحافة متعددة الوسائط، لم تقف «شفا» عند حدود النموذج التقليدي. بل سعت إلى تطوير أدواتها، وتوسيع حضورها الرقمي، ومواكبة أساليب النشر الحديثة، إدراكاً منها بأن معركة الرواية اليوم تُخاض على الشاشات الصغيرة، وباللغة السريعة، وبالقدرة على الوصول والتأثير الفوري.

في السياق الفلسطيني، لا يُعدّ التطور التكنولوجي رفاهية إعلامية، بل ضرورة وطنية. فالإعلام الفلسطيني يعمل تحت رقابة مشددة، واستهداف مباشر، وحروب إلكترونية منظمة، ومحاولات دائمة لإسكات الصوت الفلسطيني أو تشويهه. ومن هنا، فإن تجربة «شفا» تكتسب أهميتها من قدرتها على التكيّف مع هذه الظروف، وتحويل التكنولوجيا من أداة تهديد إلى وسيلة دفاع وهجوم معرفي، تحمي الرواية الفلسطينية وتعيد تقديمها للعالم بلغة العصر.

لقد أدركت الشبكة أن الإعلام لم يعد محصوراً في النص المكتوب، بل أصبح فضاءً تفاعلياً مفتوحاً، يتطلب إنتاج محتوى مرئي ومسموع، وتحليل بيانات، وفهماً عميقاً لخوارزميات الانتشار والتأثير. ومع ذلك، حافظت «شفا» على جوهرها المهني، فلم تنجرف وراء الإثارة السطحية أو الخطاب الشعبوي، بل وازنت بين متطلبات الانتشار الرقمي وقيم الصحافة المسؤولة.

وتأتي هذه الذكرى في ظل واقع فلسطيني مثقل بالحصار، والعدوان، والانقسام، واستهداف الإنسان في تفاصيل حياته اليومية. وهنا يتجلى الدور الحقيقي للإعلام الوطني، ليس فقط في نقل الألم، بل في تفكيكه، وشرحه، وربطه ببنية الصراع الأشمل، وتقديمه للعالم بوصفه نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال، لا قدراً عابراً أو صراعاً متكافئاً بين طرفين.

إن «شفا» لم تكن مجرد منصة إخبارية، بل أصبحت فضاءً معرفياً مفتوحاً، ومنبراً للحوار، ومختبراً للأفكار، وجزءاً من المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي. وهذا التنوع في الأصوات يعكس إيمان الشبكة بأن قوة الإعلام تكمن في تعددية الرأي، وفي فتح المساحة للنقاش العقلاني، وفي احترام عقل القارئ.

وفي زمن التحولات الرقمية الكبرى، حيث تتغير أدوات الإعلام بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على التكيّف، تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية تربط بين التكنولوجيا والهوية، وبين الحداثة والذاكرة الوطنية. وهنا يمكن القول إن تجربة «شفا» تمثل محاولة جادة للجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الثابت الوطني والمتغير التقني، دون الوقوع في فخ القطيعة مع الماضي أو الارتهان الكامل للمنصات الرقمية العابرة.

أربعة عشر عاماً من العمل الإعلامي في فلسطين تعني بالضرورة أربعة عشر عاماً من التحدي والصمود، والعمل تحت الضغط، والدفاع عن الحقيقة في وجه التضليل. وهي أيضاً شهادة على أن الإعلام الفلسطيني، رغم كل القيود، قادر على الإنتاج والتأثير، متى ما توفرت الإرادة والرؤية والالتزام.

في هذه الذكرى، لا نحتفي بمؤسسة فحسب، بل نحتفي بتجربة إعلامية تؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وبأن التكنولوجيا حين تُسخّر لخدمة الحقيقة تصبح شكلاً من أشكال المقاومة، وبأن فلسطين لا تحتاج فقط إلى من يروي أخبارها، بل إلى من يصوغ روايتها بوعي، ويصون ذاكرتها، ويخاطب العالم بلغته.

كل التحية لشبكة فلسطين للأنباء «شفا»، في عامها الرابع عشر، مع التمنيات بمزيد من التطور، والثبات على المبادئ، والقدرة على مواكبة المستقبل دون التفريط بالثوابت، لأن الإعلام في فلسطين ليس مهنة فحسب… بل موقف.!

شاهد أيضاً

لا يمكن للحقيقة أن تفنى .. فسيبقى البث نابضًا حيًّا لا يُهزم ، “ الكاتبة هالة دغامين ” تكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

لا يمكن للحقيقة أن تفنى .. فسيبقى البث نابضًا حيًّا لا يُهزم ، “ الكاتبة هالة دغامين ” تكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

لا يمكن للحقيقة أن تفنى .. فسيبقى البث نابضًا حيًّا لا يُهزم ، “ الكاتبة …