
الكتاب المدرسي بين المعرفة والممارسة: استكتاب علمي يعيد التفكير في أداة تربوية محورية ، بقلم : د. عدار زهرة
- – د. عدار زهرة عضو الأكاديمية وحدة التغيير الاجتماعي والأسرة والمجتمع
في إطار سعيها الدؤوب إلى تعميق البحث العلمي في القضايا التربوية والتعليمية، وتعزيز الحوار الأكاديمي متعدد التخصصات، تعلن أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي – وهران (الجزائر) بإشراف ورئاسة البروفيسور سعاد بسناسي جامعة وهران 1 عضو المجلس الأعلى للغة العربية ومديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام عن فتح باب المشاركة في استكتاب جماعي بعنوان” الكتاب المدرسي: المعرفة، الممارسة، والتحول – مقاربات نقدية واستشرافية متعددة”، بإشراف الدكتورة عدار زهرة، عضو الأكاديمية بحيث يمثل هذا المشروع العلمي الطموح محاولة جادة لإعادة النظر في أحد أكثر مكونات المنظومة التعليمية حضورا وتأثيرا، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر.
الكتاب المدرسي: حضور قوي يستدعي مساءلة علمية عميقة
ظل الكتاب المدرسي لعقود طويلة الأداة المحورية التي تُنظم بها التعلمات، وتُترجم من خلالها المناهج، وتُمرر عبرها المعرفة المدرسية والقيم الثقافية والاجتماعية. وقد نُظر إليه دومًا على أنه المصدر الأساسي، وأحيانًا الوحيد للتعلم في الفصول الدراسية. غير أن هذا الحضور القوي لم يكن دائمًا محل مساءلة علمية عميقة، حيث غالبًا ما تم التعامل مع الكتاب المدرسي بوصفه معطى بديهيًا أو وسيطًا محايدًا، في حين أنه في جوهره نتاج اختيارات معرفية وبيداغوجية وثقافية وسياسية تعكس تصورات معينة عن المتعلم، والمعرفة، والمجتمع.
تحولات تفرض إعادة التفكير
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، خاصة مع تصاعد حضور الرقمنة، وتنامي دور الذكاء الاصطناعي، وتغير أنماط التعلم وحاجات المتعلمين، لم يعد الكتاب المدرسي المصدر الأساسي أو الوحيد للتعلم. بل أصبح ينافسه تنوع هائل من الموارد الرقمية والمنصات التعليمية التفاعلية التي تتيح للمتعلم خيارات أوسع وأكثر مرونة. لذا بات من الضروري إعادة التفكير الجذري في موقع الكتاب المدرسي وبنيته، ومحتواه، ووظائفه، وأشكاله، وحدوده المستقبلية في ظل الانتقال من التعليم القائم على التلقين إلى تعلم قائم على التفاعل، وبناء المعرفة، وتنمية الكفاءات.
تطرح هذه التحولات أسئلة جوهرية: إلى أي حد ما يزال الكتاب المدرسي قادرا على أداء وظائفه التربوية والمعرفية في ظل التحولات البيداغوجية والرقمية المعاصرة؟ وكيف يمكن إعادة تصوره كنموذج أكثر انفتاحا ومرونة واستجابة لحاجات المتعلمين؟ وإلى أي حد يساهم في تكريس أو تجاوز أنماط معرفية وقيمية معينة؟
في هذا السياق، يدعو هذا الاستكتاب الجماعي الأساتذة والباحثين والمهتمين بالشأن التربوي من داخل الجزائر ومن خارجها إلى تقديم دراسات علمية أصيلة (نظرية، وتحليلية، وتطبيقية) تعتمد مقاربات متعددة التخصصات، مثل: علوم التربية، الديداكتيك، علم الاجتماع التربوي، تحليل الخطاب، الدراسات الثقافية، تكنولوجيا التعليم، والذكاء الاصطناعي التربوي.
المقاربة المنشودة هي تلك التي تتجاوز المقاربات الوصفية التقليدية نحو مساءلة نقدية من زوايا متعددة، تُبرز ما يُضمره الكتاب المدرسي من رهانات معرفية وقيمية، وتعيد التفكير فيه بوصفه خطابا معرفيا، ووسيطًا ثقافيًا، وأداة بيداغوجية تتقاطع فيها رهانات المعرفة والسلطة والهوية والتكنولوجيا، ووسيطا ديناميا منفتحا، وقادرا على مواكبة رهانات التعليم في القرن الحادي والعشرين.
يتضمن الاستكتاب خمسة محاور رئيسية تغطي مختلف جوانب الكتاب المدرسي:
المحور الأول: الأسس المفاهيمية والنظرية للكتاب المدرسي – يتناول تطور مفهوم الكتاب المدرسي تاريخيًا، ونظريات التعلم وعلاقتها بالكتاب المدرسي، ومفهوم الكتاب المدرسي في العصر الرقمي، والكتاب المدرسي كخطاب تربوي وثقافي.
المحور الثاني: المعرفة والتمثيل في الكتاب المدرسي- يركز على انتقاء المعرفة وبنائها مدرسيًا، وتمثيل الهوية واللغة والثقافة والنوع الاجتماعي، والقيم الصريحة والضمنية في محتوى الكتاب المدرسي، والعلاقة بين الحياد وسلطة المعرفة.
المحور الثالث: الكتاب المدرسي والممارسات التعليمية- يبحث في أنماط توظيف الكتاب المدرسي داخل الفصل، والفجوة بين التصور الرسمي والاستعمال الواقعي، ودور المدرس في إعادة تأويل محتوى الكتاب.
المحور الرابع: الكتاب المدرسي والتحول الرقمي- يستكشف الكتاب المدرسي الرقمي والهجين، والتفاعلية والتخصيص في الموارد التعليمية، والذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف مفهوم الكتاب المدرسي، ومستقبل الكتاب المدرسي في مدرسة المستقبل.
المحور الخامس: قضايا التأليف والتقويم – يتضمن إشكالات تأليف الكتاب المدرسي، ومعايير الجودة العلمية والبيداغوجية، وتقويم الكتاب المدرسي وآثاره على التعلم، والعلاقة بين الكتاب المدرسي والكتاب شبه المدرسي.
يشرف على هذا الاستكتاب فريق علمي متميز بقيادة **الأستاذة الدكتورة سعاد بسناسي (أستاذة بجامعة وهران 1، عضو المجلس الأعلى للغة العربية، ورئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي)، وبتنسيق من الدكتورة الزهرة عدار والدكتورة عائشة زرقي (عضوا الأكاديمية والباحثتان بالمعهد الوطني للبحث في التربية – الجزائر).
كما تضم الهيئة العلمية نخبة من الأساتذة والباحثين من مختلف الجامعات الجزائرية والعربية، مما يضمن تنوعًا علميا وجغرافيا غنيا يثري النقاش ويعمق المقاربات
يطمح هذا الاستكتاب إلى إنتاج مؤلف جماعي يكون مرجعًا علميًا متميزًا للباحثين والمختصين وصناع القرار التربوي، يساهم في فهم أعمق لدور الكتاب المدرسي ومستقبله، ويفتح آفاقًا جديدة للتفكير في بناء منظومة تعليمية أكثر فعالية وانفتاحًا واستجابة لتحديات العصر. إنها دعوة للتفكير النقدي والاستشرافي في أداة تربوية رافقت أجيالًا من المتعلمين، وتستحق اليوم إعادة نظر جذرية تليق بمكانتها وبالتحولات الجارية في عالم التعليم والتعلم.

شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .