1:07 صباحًا / 10 فبراير، 2026
آخر الاخبار

كيف ستعيد قرارات الكابينت الإسرائيلي هندسة الضفة الغربية ومصيرها ، بقلم : سالي ابو عياش

كيف ستعيد قرارات الكابينت الإسرائيلي هندسة الضفة الغربية ومصيرها ، بقلم : سالي ابو عياش


لم تعد الضفة الغربية مجرّد جغرافيا محتلة تُدار بجيش وبندقية، بل تحوّلت إلى مختبر مفتوح لأساليب السيطرة الإسرائيلية الحديثة، حيث تتداخل سلطة الجندي مع عربدة المستوطن، ويتلاشى الحدّ بين القانون والفوضى. فمنذ سنوات، تشهد الضفة إعادة إنتاج ممنهجة لشكل الاحتلال؛ لم يعد الحاكم هو الضابط العسكري في المعسكرات فقط، بل أصبح أيضاً المستوطن الجالس على التلة، والذي يطلّ على القرى الفلسطينية ويمارس سلطته اليومية من فوقها.


تلالٌ تتكاثر، ومستعمرات تتمدد، وحواجز تتبدّل مواقعها كأنها صمّمت لشلّ حركة الناس قبل أن تضبط أمن الاحتلال.
وفي ظل هذا المشهد، تتقلص سلطة السلطة الفلسطينية، وتتحول مدن الضفة إلى جزر محاصرة بين مناطق السيطرة الإسرائيلية وعربدة المستوطنين الذين لا يُحاسَبون، لتُدار حياة الفلسطيني من أعلى، بينما يُترك ليتدبّر بقاءه في الأسفل.


لا زلنا نتساءل مراراً من الذي يدير الضفة فعلياً؟


فمنذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، انقسمت الضفة الغربية على الورق إلى مناطق C، B، A، لكنّ الواقع الميداني تجاوز كل تلك التصنيفات. فالجيش الإسرائيلي بقي الحاكم الحقيقي والمطلق، يقرر من يدخل ومن يخرج، من يُبنى له بيت ومن يُهدم عليه بيته.


ليطل علينا المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر(الكابينت) بقرارات لم تكن مجرد إجراءات إدارية أو تنظيمية عابرة، بل تمثل تحوّلاً بنيوياً في إدارة الضفة الغربية المحتلة، ينقلها تدريجياً من حالة احتلال عسكري مؤقت وفق القانون الدولي إلى نموذج حكم مدني إسرائيلي مباشر قائم على إعادة صياغة منظومة الأرض والقانون والإدارة المحلية.


ليتضح لنا بأنها حزمة متكاملة تُعيد هندسة السيطرة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضم الزاحف الذي يجري عبر النصوص القانونية بدل الدبابات.


إن أول ما تكشفه هذه القرارات هو التركيز على الأرض باعتبارها جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فرفع السرية عن سجلات الأراضي، وإلغاء القيود التي كانت تمنع أو تعرقل بيع الأراضي لغير العرب، إذ سيسمح بالاطلاع على أسماء مالكي الأراضي الفلسطينيين والتوجه إليهم مباشرة بهدف شراء الأراضي، هي خطوات تعني تحويل منظومة الملكية في الضفة الغربية من نظام محاط بحواجز قانونية وإدارية إلى سوق مفتوح يسهل فيه انتقال الأراضي إلى المستوطنين بصورة فردية ومباشرة. هذه التغييرات لا تُعد مجرد تسهيل بيروقراطي، بل هي إعادة تعريف لقواعد اللعبة العقارية في منطقة محتلة، بما يسمح بإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية على الأرض.


في ذات السياق؛ يمثل إلغاء القوانين الأردنية التي بقيت سارية في الضفة الغربية منذ ما قبل عام 1967 تدخلاً مباشراً في النظام القانوني المحلي، وهو أمر تحظره قواعد الاحتلال الحربي التي تلزم القوة المحتلة بالحفاظ على القوانين القائمة وعدم تغييرها إلا في أضيق الحدود الأمنية. لكن ما يجري الآن يتجاوز مسألة الأمن إلى إعادة بناء منظومة قانونية كاملة تخدم مشروع الاستيطان، وتفكك ما تبقى من الحماية القانونية للأرض الفلسطينية.


أما البعد الثاني فيتعلق بالإدارة المحلية والتخطيط الحضري، وهو أحد أخطر أركان الحزمة، فنقل صلاحيات التخطيط والبناء، وفرض رقابة إسرائيلية حتى في مناطق يفترض أنها خاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية، يعني تجريد المؤسسات المحلية من أدواتها الأساسية. فالتخطيط الحضري ليس مجرد مسألة بلدية، بل هو أداة سيادية تحدد أين يُبنى ومن يُهدم ومن يبقى ومن يُدفع نحو الرحيل. وعندما تُنزع هذه الصلاحيات من البلديات الفلسطينية، تتحول المدن إلى فضاءات خاضعة لإعادة تشكيل قسرية وفق أولويات استعمارية استيطانية خاصة مع الانتهاكات والعربدة التي يمارسها المستوطنين في الضفة الغربية.


من الناحية القانونية، تشكل هذه القرارات خرقاً صريحاً للقانون الدولي ولاتفاقيات أوسلو وغيرها من الاتفاقيات المرحلية التي نظمت توزيع الصلاحيات. لكن الأخطر من ذلك أنها تمثل تحولاً في مفهوم الاحتلال نفسه؛ فبدل الإدارة المؤقتة، يتم إنشاء بنية حكم مدني طويلة الأمد، ما يقارب الضم الفعلي دون إعلان رسمي. هذا النوع من الضم القانوني يُعد أخطر لأنه يخلق واقعاً يصعب التراجع عنه، خاصة عندما يُدمج في منظومات التخطيط والتسجيل العقاري.


إن المآلات المتوقعة لهذه السياسات ليست نظرية. ففتح سوق الأراضي أمام المستوطنين سيؤدي إلى تسارع عمليات الشراء والضغط على الملاك الفلسطينيين، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية القاسية. ونقل صلاحيات التخطيط سيزيد من أوامر الهدم بحجة البناء غير المرخص، بينما ستنشأ كيانات بلدية استيطانية موازية داخل المدن الفلسطينية، ما يعمّق الفصل الجغرافي والاجتماعي ويقوّض النسيج الحضري.


وعلى المستوى السياسي، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى فرض وقائع قانونية تجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدا. فعندما تتحول الأراضي إلى ملكيات خاصة لمستوطنين، وتُعاد صياغة الأنظمة الإدارية، يصبح تفكيك هذه البنية شبه مستحيل دون صدام قانوني وسياسي واسع.


يبقى السؤال: أين القانون الدولي؟


فالنصوص القانونية واضحة؛ محكمة العدل الدولية أكدت أن الضفة أرض محتلة وأن إسرائيل لا تملك السيادة عليها، وأن نقل السكان وتغيير البنية القانونية والإدارية أمر غير مشروع. لكن المشكلة تكمن في غياب آليات الإنفاذ، حيث يظل القانون الدولي عاجزاً دون إرادة سياسية دولية حقيقية.


في المحصلة، لا يمكن قراءة قرارات الكابينت بمعزل عن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تعريف الضفة الغربية كمساحة خاضعة لنظام قانوني إسرائيلي متكامل.


فهي عملية إعادة هندسة هادئة لكنها عميقة، تهدف إلى تحويل الاحتلال من حالة مؤقتة إلى واقع دائم، وإعادة رسم خريطة الأرض والسكان بما يخدم مشروع الضم طويل الأمد.

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم الأثنين 9 فبراير كالتالي :شراء 5041 بيع 5043