10:55 مساءً / 9 فبراير، 2026
آخر الاخبار

من تحت الركام يولد الأمان ، عودة طلبة غزة إلى التعليم بوصفها رحلة تعافٍ إنساني لا مجرد استئناف دراسي ، بقلم: د. تهاني رفعت بشارات

من تحت الركام يولد الأمان ، عودة طلبة غزة إلى التعليم بوصفها رحلة تعافٍ إنساني لا مجرد استئناف دراسي

من تحت الركام يولد الأمان ، عودة طلبة غزة إلى التعليم بوصفها رحلة تعافٍ إنساني لا مجرد استئناف دراسي ، بقلم: د. تهاني رفعت بشارات

ليس الحديث عن عودة طلبة غزة إلى مقاعد الدراسة بعد حرب إبادة قاسية مجرد شأن تربوي أو إجراء أكاديمي روتيني، بل هو قضية إنسانية مركّبة تمسّ عمق النفس قبل العقل، وتمتد آثارها إلى البناء الاجتماعي والوجداني للأجيال القادمة. فهؤلاء الطلبة لم يعيشوا انقطاعاً دراسياً عابراً، بل اجتازوا تجربة وجودية ثقيلة اختلط فيها الخوف بالفقد، والنزوح بعدم الاستقرار، وصوت الانفجار بصمت الصفوف الغائبة. ولذلك فإن العودة إلى المدرسة هنا ليست عودة إلى كتاب وسبورة فقط، بل عودة إلى الإحساس بالحياة نفسها.

لقد تركت الحرب ندوباً نفسية عميقة لدى الطلبة؛ فمشاهد الدمار، وفقد الأحبة، والعيش تحت تهديد دائم، كلها عوامل تولّد مستويات مرتفعة من القلق والتوتر واضطرابات التركيز. والطالب الذي عاش هذه الظروف لا يمكن التعامل معه بمنطق الأداء الأكاديمي التقليدي، لأن التعلم الحقيقي يحتاج شعوراً بالأمان أولاً. فالأمن النفسي ليس ترفاً تربوياً، بل هو الشرط الأساس لأي عملية تعليمية ناجحة، وبدونه يبقى التعليم شكلياً هشّاً مهما كانت المناهج متطورة.

أما من الناحية الأكاديمية، فإن الفاقد التعليمي الذي نتج عن تعطّل المدارس لفترة طويلة يُعدّ من أخطر التحديات؛ إذ ظهرت فجوات واضحة في المهارات الأساسية كالقراءة والكتابة والحساب، إلى جانب ضعف الدافعية للتعلم نتيجة الإرهاق النفسي والشعور بعدم اليقين. كما أن طول الانقطاع قد يؤدي إلى صعوبة إعادة الاندماج في النظام المدرسي، وربما يزيد احتمالية التسرب إذا لم تُعالج المسألة برؤية تربوية مرنة وإنسانية.

لكن معالجة الفاقد التعليمي لا ينبغي أن تسبق معالجة الجرح النفسي؛ فالإنسان المتعب نفسياً يصعب أن يستوعب المعرفة أو يستعيد شغفه بها. لذلك تصبح برامج الدعم النفسي والاجتماعي ضرورة وطنية وتربوية عاجلة، لا نشاطاً تكميلياً. ويتطلّب ذلك إشراك مختصين في الإرشاد النفسي، وتفعيل دور المرشدين في المدارس، وتنظيم جلسات التفريغ النفسي والأنشطة التعبيرية التي تتيح للطلبة التعبير عن مشاعرهم واستعادة إحساسهم بالانتماء والأمان.

وفي السياق التعليمي، تبرز الحاجة إلى خطط تعويضية ذكية تراعي الفروق الفردية وتبتعد عن الحشو المعرفي، مع التركيز على المهارات الأساسية التي تشكّل قاعدة التعلم المستقبلي. كما أن اعتماد التعليم الداعم بدل الضغط الامتحاني المباشر يساهم في إعادة بناء الثقة لدى الطلبة، ويمنحهم فرصة للتدرّج في استعادة قدراتهم الأكاديمية دون شعور بالإخفاق أو العجز.

ولا يقلّ دور المعلم أهمية في هذه المرحلة؛ فالمعلم اليوم لم يعد ناقل معرفة فحسب، بل هو عنصر أمان نفسي وقدوة استقرار. ومن هنا تأتي ضرورة تأهيل المعلمين للتعامل مع الطلبة المتأثرين بالصدمات، وتمكينهم من مهارات الدعم النفسي والتواصل الإنساني، لأن كلمة طمأنة صادقة قد تكون أحياناً أكثر أثراً من درس كامل.

كما أن المجتمع بأكمله مدعو للمشاركة في هذه الرحلة؛ الأسرة، والمؤسسات المجتمعية، ووسائل الإعلام، والجهات الرسمية، جميعها تتحمل مسؤولية إعادة بناء الثقة بالحياة والتعليم. فحين يشعر الطالب بأن المجتمع يحتضنه، يزداد إيمانه بالمستقبل، ويتحوّل التعليم من عبء إلى أمل.

إن عودة طلبة غزة إلى التعليم ليست مجرد استئناف للدراسة، بل هي فعل مقاومة للحرب وآثارها، ورسالة بأن الإنسان الفلسطيني رغم الركام قادر على إعادة بناء ذاته بالعلم والأمل. إنها رحلة تعافٍ جماعي تتطلب صبراً وحكمة وتكامل جهود نفسية وتربوية ومجتمعية، حتى يعود الطالب إلى مقعده الدراسي مطمئن النفس، ثابت الإرادة، مؤمناً بأن المستقبل يُصنع بالمعرفة مهما اشتدت العواصف.

فمن بين الركام يولد الأمان، ومن قلب الألم يتشكّل الوعي، والتعليم هنا ليس مجرد حقٍّ أساسي، بل هو بوابة الحياة الكريمة، وجسر العبور نحو غدٍ أكثر استقراراً وإنسانية.

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم الأثنين 9 فبراير كالتالي :شراء 5041 بيع 5043