
في وداع الشاعر الكبير عبد الناصر صالح ، الصديق ورفيق درب القصيدة ، بقلم : محمد علوش
حين يرحل شاعرٌ بحجم عبد الناصر صالح، لا يكون الغياب حدثاً عابراً في الزمن، بل زلزلة هادئة في الذاكرة، وانكساراً شفيفاً في اللغة نفسها، فبعض الشعراء لا يكتبون القصيدة فقط، بل يعيدون تعريفها، ويمنحونها ملامحهم، حتى إذا غابوا بدت الكلمات وكأنها تبحث عن صوتها الأول.
عبد الناصر صالح لم يكن شاعراً عادياً في حياتي ولا في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي، كان الصديق الذي سبقني بخطوات بعيدة في دروب القصيدة، ورفيق الدرب الذي أمسك بيدي في بدايات الشعر الأولى، حين كانت اللغة مترددة، والقصيدة خائفة، والحلم أكبر من التجربة، فعلّمني، دون ادّعاء أو وصاية، أن الشعر ليس مهارة لغوية فحسب، بل امتحان أخلاقي وموقف وجودي، وأن الشاعر الحقيقي هو من يدفع ثمن كلمته، لا من يجمّلها.
ترافقنا في مسيرة طويلة، تقاطعت فيها التجربة الإنسانية بالإبداعية، وامتزج فيها الشعر بالحياة اليومية، بالنقاش، بالاختلاف، وبالانحياز الدائم لفلسطين بوصفها جوهر المعنى، لا مجرد موضوع للقصيدة.
كان عبد الناصر صالح يرى في الشعر فعلاً مقاوماً، وفي القصيدة ساحة اشتباك، لا مكان فيها للحياد البارد أو الزخرفة الفارغة، لذلك جاءت كلماته مشبعة بالصدق، حادة حين يلزم، ورهيفة حين يفيض القلب، لكنها في كل الأحوال مشدودة إلى الناس، إلى وجعهم، وإلى أحلامهم المؤجلة.
كان شاعرنا الأول، لا بالترتيب الزمني، بل بالمكانة والتأثير، شاعراً ثائراً ومفجّراً للمعنى، قادراً على تحويل الغضب إلى طاقة شعرية خلاقة، وعلى استخراج الجمال من قلب المأساة دون أن يبرّئها أو يخفف من حدتها، ففي شعره، لم تكن فلسطين رمزاً مجرداً، بل كائناً حياً يتنفس، يتألم، ويقاوم، ولم تكن الثورة شعاراً، بل سلوكاً لغوياً، وموقفاً يومياً، وخياراً لا رجعة عنه.
برحيل عبد الناصر صالح، يخسر الشعر أحد أنبل أصواته، وتخسر القصيدة الفلسطينية أحد أعمدتها الصلبة، ويخسر الشعر شاعراً لم يهادن، ولم يساوم، ولم يكتب من خارج الزمن أو من فوق الألم، شاعراً ظل وفياً للفقراء والمنفيين والمهمشين، وكتب لهم وبهم، لا عنهم من مسافة آمنة، فكان يؤمن أن القصيدة التي لا تمسّ الناس مباشرة، قصيدة ناقصة، وأن الشاعر الذي لا يتورط في قضايا عصره، شاهد زور على الجمال.
على المستوى الإنساني، كان عبد الناصر صالح واسع القلب، صريحاً، مباشراً، لا يعرف الأقنعة، يجمع بين حدة الموقف ودفء الصداقة، وبين صلابة القناعة ونعومة الروح، ترك في كل من عرفه أثراً لا يمحى، وفي كل تجربة شعرية جاورته درساً خفياً في النزاهة والإخلاص للكلمة.
أودّعه اليوم لا بصفتي قارئاً لشعره فحسب، بل بصفتي واحداً من الذين تشكّلوا، جزئياً، على يديه، وتعلموا منه أن الطريق إلى القصيدة يمرّ عبر الشجاعة، وأن الكتابة ليست مهنة، بل قدر، أودّعه وفي القلب حزن ثقيل، لكنه حزن ممتن، يعرف أن ما يمنح من أثر لا يسحب بالغياب.
سلام عليك يا عبد الناصر صالح، يا من جعلت من القصيدة بيتاً للثائرين، ومن الكلمة سلاحاً نبيلاً، ومن الشعر وعداً لا يسقط بالتقادم.
نم هادئاً.. فالأثر الذي تركته أعمق من الغياب، وأبقى من الموت.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .