4:27 مساءً / 2 فبراير، 2026
آخر الاخبار

غسّان دغلس… حين تصير المسؤولية وجهاً آخر للانتماء ، بقلم : سماحة حسون

غسّان دغلس… حين تصير المسؤولية وجهاً آخر للانتماء ، بقلم : سماحة حسون

في المدن التي أنهكتها الحكايات، لا يُقاس المسؤول بعدد المكاتب التي دخلها، بل بعدد القلوب التي حاول أن يخفف عنها ثِقَل الأيام. ونابلس، هذه المدينة التي تعرف كيف تجمع بين عناد الجبل وحنين السهل، لا تبحث عن محافظٍ يدير شؤونها فحسب، بل عن صوتٍ يشبه نبضها، ويستطيع أن يقرأ وجعها قبل أن يتحول إلى صمت.

يبرز اسم غسّان دغلس بوصفه واحداً من أولئك الذين لم يأتوا إلى الموقع العام من فراغٍ بارد، بل من ذاكرةٍ ممتلئة بتفاصيل المكان. فمن يعرف قرى الشمال وتلاله يدرك أن الانتماء هنا ليس شعاراً، بل هو سيرةٌ تُكتب كل صباح على وجوه الناس. لذلك يبدو حضوره أقرب إلى امتدادٍ طبيعيّ لبيئةٍ اعتادت أن تنجب أبناءً لا يقفون على مسافةٍ من قضاياها.

المسؤولية، في جوهرها، ليست سلطةً تُمارس، بل أمانةٌ تُحمل. وحين تصبح المحافظة مساحةً لتقاطعات الحياة اليومية من هموم الشباب الباحثين عن فرصة، إلى تعب العائلات التي تريد قدراً من الطمأنينة يتحول المنصب إلى امتحانٍ أخلاقي قبل أن يكون وظيفةً إدارية. هنا فقط يظهر الفرق بين من يرى الكرسي غاية، ومن يراه وسيلةً لخدمة الناس.

نابلس ليست مدينةً عادية؛ إنها كتابٌ مفتوح على احتمالات الألم والأمل معاً. وفي مثل هذا المكان، يحتاج المسؤول إلى حسٍّ إنساني يوازي قدرته على القرار. فالمدينة التي قاومت طويلاً لا تطلب المستحيل، بل تطلب من يصغي إليها جيداً، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي أساس أي مشروعٍ للحياة.

لا أحد يدّعي أن الطريق سهل، ولا أن التحديات يمكن اختصارها بخطابٍ متفائل. لكن ما تحتاجه المدن دائماً هو ذلك التوازن الدقيق بين الواقعية والحلم؛ بين إدارة الحاضر، والإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أقل قسوة. فالمسؤول الحقيقي ليس من يعد الناس بالضوء فقط، بل من يعلّمهم كيف يحافظون عليه إذا اشتدّ الظلام.

ولعل أجمل ما في الفعل العام أن يظل قريباً من بساطة البشر. أن يبقى الباب مفتوحاً، والصوت قابلاً للسماع، والخطوة متجهة نحو الميدان لا مبتعدة عنه. فالمناصب تزول، أما الأثر الإنساني فيبقى، تماماً كما تبقى رائحة الخبز في الأزقة القديمة شاهدةً على أن الحياة، مهما تعثرت، تعرف طريقها إلى الاستمرار.

في النهاية، ليست الحكاية حكاية شخصٍ بقدر ما هي حكاية مدينةٍ تبحث عن ذاتها كل يوم. وإذا كان للمسؤول أن يترك بصمته، فإن أجمل البصمات تلك التي تُرى في ملامح الناس: طمأنينةً أكثر، وخوفاً أقل، وإيماناً بأن هذه الأرض رغم كل شيء ما زالت تستحق أن نحبها، وأن نعمل لأجلها، وأن نحلم بها كما لو أنها البداية دائماً.

شاهد أيضاً

عباس زكي يودّع سفير جنوب أفريقيا لدى دولة فلسطين

عباس زكي يودّع سفير جنوب أفريقيا لدى دولة فلسطين

شفا – استقبل عباس زكي بمكتبة صباح اليوم سفير جمهورية جنوب أفريقيا لدى دولة فلسطين، …