7:38 مساءً / 23 يناير، 2026
آخر الاخبار

مقاومة الهيمنة: أنصار الله نموذجاً ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

مقاومة الهيمنة: أنصار الله نموذجاً ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

في مجابهة ثقافة التدجين الأمريكي ومشروعها الاستعماري الغاشم، الذي ما زال حتى اللحظة مستميتاً في إخضاع الشعوب وتفكيك إرادتها السياسية عبر القوة الناعمة والصلبة، ظهرتْ إلى الواجهة – بإرادة إلهية – حركات مقاومة رافضة بشكل جازم لهذا المسار المُنحرف في الأخلاق والمبادئ، إذ اختارتْ الاشتباك مع الهيمنة والتصدي لها بدل التكيّف معها والتطبُّع عليها كما فعل الأخرون. وتُعد حركة أنصار الله في اليمن نموذجاً بارزاً وشجاعاً لهذا الرفض، بوصفها حركة سياسية واجتماعية تشكّلتْ في بيئة استهداف مباشر، ورفضتْ الانخراط في منظومة التَّبعِية التي ترعاها الولايات المتحدة في المنطقة.

إن استراتيجية المشروع الأمريكي في جوهرها تنطلق من تحويل الدول، خصوصاً دول العالم الثالث، إلى كيانات وظيفية، ونزع القرار السيادي عنها، وإدماجها قسراً في منظومة الهيمنة الاقتصادية والأمنية والثقافية، وجعلها مأمورة تؤدي دوراً معيناً إلى ذات حين معلوم. في هذا السياق، تُصنَّف أي حركة ترفض هذا المسار، وتعمل على استعادة القرار الوطني المستقل، باعتبارها خطراً مُحدقاً يجب احتواؤه أو نسفه من جذوره. من هنا، يمكن فهم طبيعة العِداء الأمريكي الصهيوني لحركاتِ المقاومة، لا بوصفه خِلافاً سياسياً عابراً، بل صراعاُ بنيوياً مع كل مشروع يخرج عن منطق التدجين.

من هذا المنطلق، واجهتْ حركة أنصار الله هذا المشروع من موقف الوعي بطبيعته، لا من موقف ردّ الفعل اللحظي العابر. فخطابها السياسي والديني، وممارستها الميدانية يقومان على تفكيك سردية الهيمنة الأمريكية الصهيونية، وفضح أدواتها سواء عبر الحرب المباشرة، أو عبر الوكلاء الإقليميين، أو من خلال العقوبات والضغوطات الاقتصادية والإعلامية. في هذا الإطار، لم يكن الصراع في اليمن مجرد نزاع داخلي، بل تحوّل إلى ساحة مواجهة مع أحد تمظهرات المشروع الأمريكي في المنطقة.

في مقابل القوة الناعمة التي تسوّق الولايات المتحدة من خلالها مفاهيم الشرعية والاستقرار والديمقراطية ومكافحة الإرهاب، تبنّتْ حركة أنصار الله خطاباً مضاداً يربط بين هذه الشعارات المُزيفة وواقع الهيمنة والنفوذ والنهب والاستتباع. كما عملتْ على تحصين بيئتها الاجتماعية من أدوات التدجين الثقافي والإعلامي، عبر تعزيز سردية الاستقلال والكرامة، والوعي الجمعي والديني والقيادة الحكيمة، والاعتماد على الذات، وربط الصراع بالسيادة الوطنية، ودعم القضايا الشائكة كالقضية الفلسطينية، ومناصرة المظلومين


الذين تنصل عنهم العالم أجمع بصمت مهين.

وعندما انتقلت المواجهة إلى مستوى القوة الصلبة، لم تنظر حركة أنصار الله إلى الحرب باعتبارها قدراً مفروضاً فحسب، بل باعتبارها لحظة كاشفة لطبيعة النظام الدولي القائم. فالصمود العسكري، وتطوير القدرات الذاتية، وتحويل الحصار إلى وسيلة تعبئة داخلية شكّل في أساسهِ رفضاً عملياً لمنطق الإخضاع، ورسالة وجودية مفادها أن مشروع التدجين ليس قدراً محتوماً، وأن كُلفتهُ قد تكون باهظة على من يسعى لفرضه دون وجه حق.

إن أهمية تجربة أنصار الله لا تكمن فقط في بعدها العسكري أو السياسي، بل في بعدها الرمزي والديني أيضاً. فهي تقدّم نموذجاً يُحتذى به لحركة مقاومة تدرك أن المعركة مع الولايات المتحدة ولوبياتها الصهيونية ليستْ معركة حدود أو نفوذ آني، بل معركة وعي وسيادة وقرار وعقيدة، وتحرر. ومن هنا، فإن استهدافها المستمر، ومحاولات شيطنتها إعلامياً وسياسياً وعقائدياً، يأتيان في إطار السعي لكسر أي نموذج يمكن أن يُلهم شعوباً أخرى على الخروج من دائرة التدجين.

في الختام، يمكن القول إن حركات المقاومة، وفي مقدمتها حركة أنصار الله، تمثل نقيضاً مباشراً لثقافة التدجين الأمريكية الصهيونية. فهي ترفض منطق التبعية، وتشتبك مع الهيمنة في أدواتها وسردياتها، وتعيد طرح سؤال السيادة والتحرر بوصفه سؤالاً وجودياً. وفي عالم تُدار فيه الحروب لإدامة استقرار قوى النفوذ، تصبح المقاومة – مهما اختلفتْ السياقات – فعلاً سياسياً كاشِفاً، وموقفاً دينياً وأخلاقياً وإنسانياً شجاعاً في وجه مشروع مقيت يسعى إلى إخضاع العالم باسم النظام والحرية والديمقراطية ومكافحة الإرهاب.

  • – مصطفى عبدالملك الصميدي – اليمن

شاهد أيضاً

استشهاد مواطن برصاص الاحتلال في مادما جنوب نابلس

شفا – استشهد مواطن متأثرا بجروحه، اليوم الجمعة، إثر إطلاق جيش الاحتلال الإسرائيلي النار عليه، …