
قانون إسرائيلي يقصي خريجي الجامعات الفلسطينية.. ضربة جديدة للتعليم في القدس ، بقلم : معروف الرفاعي
في خطوة تعكس تصعيدًا جديدًا في سياسات التضييق على الوجود الفلسطيني في مدينة القدس، أقرّت سلطات الاحتلال قانونًا يمنع تشغيل خريجي جامعات السلطة الفلسطينية في جهاز التعليم، في قرار لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأشمل الهادف إلى إعادة تشكيل الحقل التعليمي والهوية الثقافية في المدينة المحتلة.
هذا القانون، الذي جرى تمريره بأغلبية واضحة داخل المؤسسة التشريعية للاحتلال، يأتي تتويجًا لمسار طويل من الإجراءات التي تستهدف التعليم الفلسطيني بوصفه أحد أعمدة الصمود وحفظ الرواية الوطنية.
تبرّر سلطات الاحتلال هذا القرار بذرائع أمنية وسياسية، تتعلق بعدم اعترافها بالمؤسسات الأكاديمية الفلسطينية وبمناهجها، وادعائها أن هذه الجامعات تعمل خارج “الإشراف” الإسرائيلي ولا تلتزم بما تسميه المعايير الرسمية المعتمدة لديها. كما تحاول الحكومة الإسرائيلية تسويق القانون باعتباره إجراءً إداريًا وتنظيميًا يهدف إلى “توحيد” معايير التوظيف في جهاز التعليم، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الدوافع الحقيقية تتجاوز الاعتبارات المهنية لتصل إلى محاولة فرض منظومة تعليمية خاضعة بالكامل لسيطرة الاحتلال، وإقصاء أي بعد وطني أو أكاديمي مستقل.
ويأتي هذا القانون في ظل صراع مفتوح على وعي الأجيال الفلسطينية في القدس، حيث يشكّل المعلم الفلسطيني، ولا سيما خريج الجامعات الفلسطينية، حلقة وصل أساسية بين الطلبة وبيئتهم الثقافية والوطنية، ومن هنا، يسعى الاحتلال إلى تقليص حضور هؤلاء المعلمين داخل المدارس، واستبدالهم تدريجيًا بكوادر تخضع لشروطه ومناهجه، بما يفتح المجال أمام فرض الرواية الإسرائيلية وإضعاف الانتماء الوطني لدى الطلبة.
أما على صعيد الآثار العملية، فإن القانون يوجّه ضربة قاسية لقطاع التعليم في القدس، الذي يعاني أصلًا من نقص حاد في الكوادر التعليمية المؤهلة، فحرمان شريحة واسعة من الخريجين من حقهم في العمل لا يعني فقط إغلاق أبواب الرزق أمامهم، بل يفاقم أزمة نقص المعلمين، ويؤثر سلبًا على جودة التعليم واستقراره داخل المدارس الفلسطينية، كما يدفع هذا الواقع الكثير من الطلبة المقدسيين إلى العزوف عن الالتحاق بالجامعات الفلسطينية، خوفًا من انسداد الأفق الوظيفي، وهو ما يخدم هدف الاحتلال في فك الارتباط الأكاديمي والثقافي بين القدس ومحيطها الفلسطيني.
ولا يمكن تجاهل البعد القانوني والأخلاقي لهذا القرار، إذ يمسّ بمبدأ الاعتراف بالشهادات الأكاديمية وحق العمل، ويكرّس سياسة التمييز على أساس الانتماء الوطني والمؤسسي، فالقانون، رغم تضمّنه استثناءات محدودة، يضع سيف الإقصاء فوق رقاب الأجيال القادمة، ويحوّل التعليم من حق أساسي إلى أداة ضغط سياسي.
في المحصلة، لا يبدو هذا القانون إجراءً معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة سياسات تهدف إلى إعادة هندسة المشهد التعليمي في القدس بما يتماشى مع أجندة الاحتلال، وبينما يحاول صانعو القرار في إسرائيل إضفاء طابع إداري على هذه الخطوة، تبقى تداعياتها الحقيقية ماثلة في استهداف التعليم الفلسطيني، وضرب أحد أهم مقومات صمود المقدسيين في وجه سياسات الإقصاء والتهويد .
- – معروف الرفاعي – مستشار محافظ القدس .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .