2:14 مساءً / 18 يناير، 2026
آخر الاخبار

فرخة… القرية البيئية على تخوم سلفيت بين التاريخ والتنمية ، بقلم : د. عمر السلخي

فرخة… القرية البيئية على تخوم سلفيت بين التاريخ والتنمية

فرخة… القرية البيئية على تخوم سلفيت بين التاريخ والتنمية ، بقلم : د. عمر السلخي


من الفرخ إلى الفرخاوي


تحمل قرية فرخة اسمًا يختزن بعدًا لغويًا وتاريخيًا في آنٍ معًا، إذ تُنسب التسمية إلى العلامة عبد الرحمن بن عبدالله الفرخاوي، فيما تعود كلمة الفرخ لغويًا إلى معنى ولد الطائر، كما تُشير المعاجم إلى أن الفرخة تعني السنان العريضة، والسنان هو نصل الرمح، ويُطلق كذلك على ما يُسنّ عليه السكين وغيره، وجمعه أسنّة، هذا التعدد في الدلالة يمنح الاسم بعدًا رمزيًا يجمع بين الحياة والقوة والأداة.


قرية على حافة المدينة


تقع فرخة إلى غرب مدينة سلفيت، على بُعد 3.2 كيلومترات هوائيًا عنها، وترتفع نحو 587 مترًا عن سطح البحر، ما يمنحها موقعًا مرتفعًا وإطلالة واسعة على محيطها الطبيعي، ويحدها من الشرق والشمال مدينة سلفيت، ومن الجنوب قريتا قراوة بني زيد وبني زيد الشرقية، ومن الغرب بلدة بروقين. ويضعها هذا الموقع في تماس مباشر مع الامتداد العمراني للمدينة، في وقت تحاول فيه الحفاظ على طابعها الريفي والبيئي.


البلدة القديمة… أحواش تحكي مئة عام من الذاكرة


تتكوّن البلدة القديمة في فرخة من مجموعة من المنازل المتلاصقة التي تتربع على رأس تلة، ويُعد المسجد القديم جزءًا أصيلًا من هذا النسيج العمراني، ويُطلق على كل مجموعة من هذه المنازل اسم “حوش” أو “حارة”، ومن أبرزها حوش دار الخطيب وحوش دار رزق الله.


يبلغ عمر هذه المنازل أكثر من مئة عام، وتُعد اليوم ثروة سياحية وتراثية كامنة إذا ما جرى ترميمها وإعادة توظيفها في أنشطة ثقافية واجتماعية، ويبلغ عدد هذه البيوت المتلاصقة نحو 40 منزلًا، ثلاثة منها مأهولة بالسكان حاليًا، وسبعة مهدمة جزئيًا، ومنزلان مهدومان كليًا، فيما تحتاج البيوت الأخرى إلى أعمال صيانة وترميم شاملة.


وفي عام 1990 جرى ترميم منزلين في البلدة القديمة، استُخدم أحدهما مركزًا لـجمعية تنمية الشباب قبل أن يُغلق لاحقًا.
عيون الماء… بين الذاكرة والحاجة


تضم فرخة عينين رئيسيتين للمياه شكّلتا عبر التاريخ مصدرًا للحياة والزراعة في محيط القرية، تقع عين بدران إلى الشمال الشرقي من القرية، على بُعد نحو 2 كيلومتر، ويصل إليها طريق بطول 1.5 كيلومتر نصفه مفروش بالحصمة “البسكورس” والنصف الآخر طريق ضيق ووعر، وكانت مياهها تُستخدم للشرب في السابق، ولا يزال بعض السكان يعتمدون عليها بسبب عدم اشتراكهم في خدمة المياه وتبلغ مساحة أرض العين نحو 200 متر مربع، وتحيط بها أملاك خاصة.


أما عين الينبوع فتقع إلى الغرب من القرية على بُعد 2.5 كيلومتر، ويؤدي إليها طريق زراعي عرضه نحو 4 أمتار، وهو طريق وعِر وغير صالح للمركبات، وتتكون العين من نبعين تذهب معظم مياههما إلى الأراضي دون تجميع، ويُستفاد من جزء منها في سقاية الأغنام.


قمر البلد المزرعة البيئية


بدأت تجربة الزراعة البيئية في قرية فرخة مطلع عام 2013، خلال ورشة تدريبية حول مفهوم القرى البيئية نظمتها شبكة القرى البيئية العالمية، وبعد زيارة ميدانية لممثلي الشبكة ووفد من قرية تميرا البيئية البرتغالية، جرى اعتماد فرخة رسميًا كـقرية بيئية عالمية، لتنضم إلى عضوية الشبكة الدولية للقرى البيئية.


وتقوم فلسفة القرية البيئية على تبنّي نمط حياة متجدد في التعاطي مع الموارد الطبيعية، عبر مجموعة من الأنشطة الزراعية والبيئية التي تهدف إلى الحفاظ على هذه الموارد وتنميتها بشكل مستدام. وخلال عامي 2014–2015 خضع نحو 30 ناشطًا بيئيًا من مزارعين ومهندسين زراعيين ونشطاء أجانب لتدريب مكثف حول تصميم القرى البيئية وأهميتها في حياة الإنسان.


وقد أسفرت هذه التدريبات عن تحديد أولويات تنموية وبيئية للقرية، شملت إنشاء مكتبة عامة، وترميم الحارة القديمة بوصفها إرثًا تاريخيًا يجب الحفاظ عليه، وتنفيذ مشاريع الحصاد المائي والحفاظ على رطوبة التربة، وزراعة الأشجار في محيط القرية لتعزيز المشهد الجمالي.


كما جرى التركيز على استخدام الطاقة الشمسية كمصدر متجدد للطاقة في الزراعة، وإيجاد آليات صحيحة لـتدوير النفايات الصلبة، واستغلال المواد العضوية في تسميد التربة بدلًا من الكيماويات، إلى جانب إنشاء حديقة قمر البلد البيئية والحدائق البيتية التي تسهم في دعم دخل الأسر.


أثر الاستيطان على قرية فرخة


تعيش قرية فرخة تحت ضغط متواصل بفعل التوسع الاستيطاني المحيط بها، ولا سيما من الجهة الغربية، حيث تلامس أراضيها نطاق نفوذ مستوطنات قائمة وبؤره استيطانية آخذة بالاتساع، هذا الواقع انعكس مباشرة على الرقعة الزراعية للقرية، التي تُعدّ المورد الأساسي لأهاليها، من خلال مصادرة مساحات من الأراضي أو تقييد الوصول إليها بذريعة “المناطق الأمنية” والطرق الالتفافية التي شقها الاحتلال لخدمة المستوطنات المجاورة.


كما يواجه المزارعون اعتداءات متكررة من المستوطنين، تتراوح بين تخريب الأشجار، ومنع الرعي، والاعتداء على الممتلكات الزراعية، ما يخلق حالة من القلق الدائم ويهدد استمرارية العمل الزراعي والبيئي الذي اشتهرت به فرخة كنموذج للقرية البيئية. إضافة إلى ذلك، تعيق الإجراءات العسكرية حركة السكان وتحدّ من إمكانية تطوير البنية التحتية أو تنفيذ مشاريع تنموية، في ظل تصنيف مساحات واسعة من أراضي القرية ضمن المناطق المصنفة (ج)، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.


وبرغم هذه التحديات، يواصل أهالي فرخة التمسك بأرضهم، ويحوّلون مبادرات الزراعة البيئية والترميم التراثي إلى أدوات صمود ومواجهة ناعمة، تؤكد أن القرية ليست مجرد مساحة جغرافية مهددة، بل نموذج حي لإرادة البقاء في وجه سياسات الاقتلاع والتضييق.


فرخة… نموذج القرية التي تحرس الماضي وتصنع المستقبل


بين أحواش البلدة القديمة التي تحكي تاريخ المكان، ومشاريع الزراعة البيئية التي ترسم ملامح الغد، تقف فرخة اليوم كنموذج لقرية فلسطينية تحاول أن توازن بين حماية إرثها العمراني والاجتماعي، والسير بخطى واثقة نحو التنمية المستدامة، فهي قرية تُراهن على الأرض والماء والشمس والإنسان، لتصنع مستقبلًا أخضر يحفظ الهوية ويعزز الصمود في وجه التحديات المتزايدة.

شاهد أيضاً

الصين : علماء آثار صينيون يكتشفون بناء قصر "إبانغ" فوق بركة أو بحيرة قديمة

الصين : علماء آثار صينيون يكتشفون بناء قصر “إبانغ” فوق بركة أو بحيرة قديمة

شفا – أكد علماء آثار صينيون أن موقع قصر “إبانغ” الذي بُني في عهد الإمبراطور …