
أي فتح نريد في مواجهة الاحتلال؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي
(المقال السادس عشر من سلسلة مقالات “أي فتح نريد”)
الفعل السياسي والميداني
تعد مسألة مقاومة الاحتلال من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في العالم المعاصر، فهي تجمع بين الحق المشروع في الدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية، وبين ضرورة تحديد السبل والأساليب الأكثر فاعلية وأمانًا لتحقيق أهداف التحرير دون الإضرار بالشعب والمجتمع. ويمثل مفهوم “الفتح” في هذا السياق قضية محورية، إذ لا يرتبط فقط بالانتصار العسكري الميداني، بل يشمل أيضًا الانتصار السياسي والاجتماعي والثقافي، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: أي فتح نريد في مواجهة الاحتلال؟
الفتح: بين المعنى العسكري والسياسي
عند الحديث عن الفتح، يجب التمييز بين مستويين متكاملين: الفتح العسكري والفتح السياسي. الفتح العسكري يرتبط مباشرة بالمواجهة الميدانية، من خلال المقاومة المسلحة أو العمليات الميدانية التي تهدف إلى إضعاف قوة الاحتلال، واستعادة الأراضي أو السيادة. أما الفتح السياسي فيشير إلى الانتصار في الساحة الدبلوماسية والقانونية، عبر تحصيل الاعتراف الدولي، وكسب الدعم السياسي والإعلامي، وفرض شروط جديدة على المعتدي.
تاريخيًا، أظهرت التجارب أن الفتح العسكري وحده لا يكفي لتحقيق التحرير الكامل، لأنه غالبًا ما يصطدم بقوة الاحتلال وإمكاناته العسكرية الكبيرة، ما يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة. بالمقابل، فإن الفتح السياسي يعزز موقف المقاومة، ويوفر الشرعية الدولية، ويكسب الدعم الشعبي، لكنه يحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد وصبر سياسي. ومن هنا يظهر أن الفعل السياسي والميداني يجب أن يسير جنبًا إلى جنب لتحقيق فتح مستدام وناجح.
الفعل السياسي: أداة استراتيجية للفتح
الفعل السياسي هو البعد الأكثر أهمية في مقاومة الاحتلال لأنه يتيح للمجتمع والقيادة استثمار كل الوسائل القانونية والدبلوماسية لتقويض قوة الاحتلال. يشمل ذلك المفاوضات، والمبادرات الدولية، والحملات الإعلامية، وكسب الرأي العام العالمي.
أولاً، الدبلوماسية الدولية: تعتبر الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والمجتمع الدولي ساحة أساسية لمواجهة الاحتلال، من خلال الضغط على المعتدي لوقف السياسات الاستيطانية والانتهاكات، وفرض قرارات دولية تلزم الاحتلال بالانسحاب أو احترام الحقوق الأساسية. إن النجاح الدبلوماسي يساهم في تكوين جبهة دولية تدعم القضية، ما يزيد من ثقل المقاومة السياسية.
ثانيًا، الإعلام والرأي العام: يلعب الإعلام دورًا محوريًا في كشف الحقائق، وتسليط الضوء على الانتهاكات، وكسب التضامن الدولي. الفعل الإعلامي الذكي يجعل من الاحتلال سلبيًا في عيون العالم، ويعزز الشرعية الوطنية لمقاومة الشعب. وهذا النوع من الفعل السياسي يتيح فتحًا رمزيًا وثقافيًا يوازي أهميته فتح الأرض في الميدان.
ثالثًا، وحدة الداخل: الفعل السياسي الداخلي لا يقل أهمية عن الدبلوماسية الخارجية، إذ أن الوحدة الوطنية والمجتمعية تعتبر مفتاحًا لأي نجاح في مواجهة الاحتلال. الانقسامات الداخلية تضعف الفعل السياسي وتؤدي إلى فشل المحاولات الدبلوماسية، بينما توحيد الصفوف يضاعف القوة التفاوضية.
الفعل الميداني: البعد العسكري للمواجهة
الفعل الميداني أو العسكري هو البعد العملي لمقاومة الاحتلال، ويقصد به جميع أشكال المواجهة المباشرة التي تهدف إلى تقويض قوة المعتدي واستعادة الحقوق. وهو يشمل المقاومة المسلحة، العمليات الاحتجاجية المنظمة، المقاومة الشعبية، وأشكال العصيان المدني التي تؤثر في هيبة الاحتلال.
أولاً، المقاومة المسلحة: رغم كونها الخيار الأكثر إثارة للجدل، إلا أنها تبقى وسيلة يلجأ إليها الشعب المحتل للدفاع عن أرضه وكرامته. ولتحقيق “فتح ميداني” فعّال، يجب أن يكون العمل العسكري مرتبطًا بخطة استراتيجية واضحة، تراعي التوازن بين الفعالية وتقليل الخسائر البشرية، وتستهدف أهدافًا حيوية للاحتلال، ما يضعف قدرته على السيطرة.
ثانيًا، المقاومة الشعبية والعصيان المدني: أظهرت التجارب العالمية أن هذه الطريقة يمكن أن تكون فعالة جدًا، لأنها تضغط على الاحتلال بطرق غير مباشرة، مثل الإضرابات، والمقاطعات الاقتصادية، والاعتصامات، وحركة عدم التعاون مع السلطات المحتلة. هذه الطريقة تفتح جبهات جديدة للمقاومة، وتساهم في إبراز قوة الشعب وصموده، مما يعزز الموقف السياسي على الساحة الدولية.
ثالثًا، الدمج بين العمل السياسي والميداني: النجاح الحقيقي في مواجهة الاحتلال لا يتحقق إلا عبر دمج الفعل السياسي بالميداني، بحيث تدعم كل وسيلة الأخرى. على سبيل المثال، العمليات الاحتجاجية والمقاومة الشعبية تزيد من الضغط الدولي على الاحتلال، بينما الانتصارات العسكرية تعطي قوة للموقف التفاوضي والسياسي.
التحديات التي تواجه الفتح
رغم وضوح الأهداف، إلا أن هناك تحديات كبيرة تواجه أي محاولة لتحقيق فتح حقيقي. أبرز هذه التحديات تشمل:
- التوازن بين الضغوط الدولية والحاجة للمقاومة: أحيانًا تتطلب السياسة الدولية ضبط النفس والتفاوض، بينما يتطلب الميدان تحركات أكثر جرأة، مما يخلق صراعًا داخليًا في تحديد الأولويات.
- الخسائر البشرية والمادية: أي مواجهة ميدانية تحمل دائمًا تكلفة كبيرة، لذلك يجب التخطيط بعناية لتجنب الإضرار بالشعب المدني.
- وحدة الصف الداخلي: الانقسامات السياسية أو الاجتماعية تضعف الفعل المقاوم وتقلل من فرص تحقيق الانتصار السياسي والميداني معًا.
- التكيف مع التحولات الحديثة: الاحتلال غالبًا ما يستخدم أساليب جديدة مثل الرقابة الإلكترونية، والاستيطان، والتغيير الديمغرافي، ما يتطلب تطوير استراتيجيات مقاومة مبتكرة.
الرؤية المستقبلية: أي فتح نريد؟
في ضوء التحليل السابق، يمكننا استنتاج أن الفتح الذي نريده في مواجهة الاحتلال يجب أن يكون فتحًا شاملًا، يدمج بين الفعل السياسي والميداني بطريقة استراتيجية. فتح كهذا يجب أن يحقق عدة أهداف:
- تحرير الأرض: سواء عبر المواجهة العسكرية المباشرة أو عبر الضغوط السياسية والدبلوماسية.
- تحقيق الشرعية الدولية: من خلال كسب دعم المجتمع الدولي وتطبيق القوانين الدولية.
- وحدة الشعب والمجتمع: بحيث يكون كل فصيل وقوى المقاومة جزءًا من رؤية واحدة، تعمل بتكامل لتحقيق الهدف الوطني.
- استدامة المقاومة: فتح مستمر يراعي القدرة على الصمود طويل الأمد دون إرهاق الموارد أو فقدان الدعم الشعبي.
الفتح الشامل لا يعني الانتصار السريع أو الانتصارات الرمزية فقط، بل يعني القدرة على تحويل كل مواجهة، سياسية كانت أو ميدانية، إلى خطوة نحو تحقيق الهدف الأكبر، وهو الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية.
خاتمة
السؤال “أي فتح نريد في مواجهة الاحتلال؟” ليس سؤالًا نظريًا بحتًا، بل هو خطة عمل واستراتيجية مستمرة تتطلب فهماً دقيقًا للواقع السياسي والميداني، وقدرة على الدمج بينهما بذكاء. الفعل السياسي والميداني يجب أن يكونا مكملين لبعضهما البعض، بحيث يعزز كل منهما الآخر، ويخلق قوة شاملة تحقق التحرير المستدام. الفتح الحقيقي هو فتح الأرض والوعي والشرعية والوحدة الوطنية، وهو فتح يستند إلى استراتيجية مدروسة، وإرادة صلبة، وصمود مستمر في مواجهة التحديات. في النهاية، الفتح الذي نريده هو الذي يحقق كرامة شعبنا ويضعنا على طريق الحرية والاستقلال الدائم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .