9:50 مساءً / 13 يناير، 2026
آخر الاخبار

إيران والتشقّقات ، كيف تسقط جدران الداخل ، بقلم : نسيم قبها

إيران والتشقّقات ، كيف تسقط جدران الداخل ، بقلم : نسيم قبها

منذ وقت طويل والمشهد السياسي الإيراني يشبه كرة ثلج متدحرجة على منحدر التاريخ: كلما زادت القوى الخارجية دفعها بقوة، ازدادت كتلتها وتماسكها الداخلي. فالتجربة الإيرانية المعاصرة تُعلّمنا أن التهديدات الخارجية، سواء كانت عقوبات أم تهديدات عسكرية، تتحول إلى مادة لحمية تُغذي خطاب النظام وتوحد صفوفه خلف شعار “الاستقلال والمقاومة”.

لننظر إلى التاريخ القريب: الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) التي دعمتها دول عربية وغربية، حولت نظاماً ثورياً حديث العهد إلى كيان متماسك بقوة، متشبثاً بالبقاء. اليوم، التهديدات الأمريكية أو الإسرائيلية تعيد إنتاج نفس المعادلة: تُقدّم للنظام سردية جاهزة عن “المؤامرة العالمية”، وتسمح له بإعادة تدوير الأزمات الداخلية نحو عدو خارجي، مما يخمد مؤقتاً صوت الاحتجاجات والاختلافات.

لكن هذا التماسك تحت الضغط أشبه بدرع صلب يخفي تشققات عميقة. فالنظام الإيراني يواجه تحديات جوهرية من الداخل: اقتصاد منهك تحت وطأة العقوبات وسوء الإدارة، ومجتمع شاب أكثر من 60% منه تحت سن الثلاثين يتوق للحرية والانفتاح العالمي، وفجوة متسعة بين شعارات الثورة وواقع العيش الكريم. هذه العوامل هي التي تهز أسس النظام، لا التهديدات الخارجية.

الاحتجاجات المتكررة في السنوات الأخيرة – من انتفاضة 2009 إلى احتجاجات 2019 و2022 – كشفت عن شرخ عميق بين الدولة والمجتمع. هذه الحركات، رغم قمعها، تُظهر أن شرعية النظام لم تعد مطلقة، وأن الرغبة في التغيير تنمو من القاعدة الشعبية.

الدرس المستفاد واضح: أي ضربة عسكرية خارجية ستوحد الشعب خلف قيادته، وستُحيي المشاعر الوطنية والقومية ، وستمنح النظام ذريعة لتكثيف القمع تحت شعار “الظروف الاستثنائية”. التاريخ يخبرنا أن الشعوب تميل إلى التماسك في مواجهة العدوان الخارجي، بغض النظر عن درجة رضاها عن حكامها.

التغيير الحقيقي والمستدام في إيران سينبع من الداخل، عبر مسارين متوازيين: الأول، تطور النضال السلمي للمجتمع المدني والإصلاحيين الذين يسعون لتغيير النظام من داخله. الثاني، تحولات جيليّة حتمية حيث يحل جيل لم يعش الثورة محل جيل المؤسسين، جيل يطالب بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية دون الارتهان لإيديولوجيا الأمس.

مستقبل إيران يُرسم اليوم في شوارع طهران وأصفهان، في الجامعات والسجون، في نقاشات المثقفين وصمت اليائسين. القوى الخارجية ( العميقة ) ، والتي تريد تأثيراً حقيقياً تفهم هذه المعادلة: الدعم المباشر للمجتمع المدني وحقوق الإنسان أكثر تأثيراً من التهديدات العسكرية. لكن القرار الأخير، ومفتاح التغيير، يبقى بيد الشعب الإيراني وحده.

الطريق نحو إيران جديدة لن يُفتح بقنابل من السماء، بل بإرادة تصعد للتغيير من الأرض ، مع أنه موجه .
أخيرا فإن منطق التاريخ الذي لا يرحم يقول : الأنظمة التي تقاوم عواصف الخارج قد تسقط تحت ثقل تناقضات الداخل.

شاهد أيضاً

الصين تطلق مجموعة أقمار صناعية

الصين تطلق مجموعة أقمار صناعية على متن صاروخ “لونغ مارش-8إيه”

شفا – أطلقت الصين صاروخا حاملا من طراز “لونغ مارش-8إيه” يوم الثلاثاء في مقاطعة هاينان …