
هندسة الذاتية بين السرد والوعي في رواية “تنهيدة حرية” للكاتبة رولا غانم ، بقلم : د. مريم أبوبكر
تستهلُ الكاتبةُ رولا غانم روايتَها “تنهيدةُ حرية” بمشهدٍ جمعت فيهِ شتاتَ أسرةِ السيدة سلمى بابنتِها بتول وأحفادِها, ورفاهيةٍ في جانبٍ مشرقٍ من الحياةِ بعدَ معاناةٍ طويلةٍ وعثراتٍ كثيرةٍ وذكرياتٍ عالقةٍ في المتصورِ الذهنيِّ لكلِّ أبطالِ الحكاية؛ ” فالحياةُ لا تمنحُ الإنسانَ كلَ ما يشتهي, فهي تأخذُ وتُعطِي” (غانم, 2024, 9).
وتربطُ الكاتبةُ هندسةَ الذاتيةِ بالسردِ والوعيِ ما جعلَ المشهدَ يبدو بناءً من الذكرياتِ يمتدُ على مساحةِ كسرِ أفقِ التوقعِ لدى المتلقي وخروجٍ عن المألوفِ يعيدُ تشكيلَ الشخصياتِ من الداخلِ لإعادةِ الثقلِ بينَ ما نعتقدُ أنَّهُ كان, وما سنكتشفُ أنَّهُ خطابٌ أو تجاربُ إنسانية, تدفعُنا نحوَ الأمامِ لبلوغِ غايةِ الحكايةِ وما سيكونُ حتى الختام.
وجاءَ السردُ أداةَ تصميمٍ لاسترجاعِ كلِ حكايةٍ يمرُ عبرَها المعنى, لتتشكَلَ ذاتُ الشخصياتِ أثناءَ تناولِها عبرَ الحكي, فيعادُ ترتيبُ الأولوياتِ وتُعادُ صياغةُ الذنبِ والبراءة, فتتشكلُ أنواعٌ جديدةٌ من الحرية, وتأتي معرفةُ الذاتِ من الفضاءِ الداخليِّ الذي يعكسُ الكونَ الخارجي, فلا قيدَ موروثًا من منظورِ وعيكَ الذي ترى به هذا الوجود, وكلُ ارتقاءٍ فيه يفتحُ لنا صفحةً جديدةً من الحقيقةِ.
وفي روايةِ “تنهيدةُ حرية” لمْ تكنِ الحكايةُ وسيلةً لتجميلِ الماضي, فـــ “الماضي متاهةٌ إذا تركناه يسيطرُ على لحظاتِنا الحاليةِ سيبتلعُ سكينتَنا ويتمكنُ من قلوبِنا, خصوصًا ماضينا نحنُ المكتظ بالأحداثِ والعواصفِ “(غانم, 2024, 26), لكنَّها جاءَت لإعادةِ توزيعِ سلطةِ الذاتِ لتمنحَ الفردَ القدرةَ على تنسيقِ مساراتِها الداخلية, لتُولد الذاتُ بشكلِها الجديد, ذاتٌ قادرةٌ على مقاومةِ الابتلاع, وحثِّها على ممارسةِ الحريةِ كفعلٍ يوميٍّ وليسَ شعارًا نظريًا, وتُعيدُ تنظيمَ ما يشكلُ الهوية, للإجابةِ عن سؤالٍ جوهريٍّ في كينونتِه ” كيف صرتُ ما أنا عليه؟”, “وما الذي يمكنُ أنْ أكونَهُ إذا تغيرَتِ المؤثراتُ الخارجيةُ التي تقمعُني من التجددِ في هذا الوجود؟”, “دعونا نعيشُ اللحظةَ ونستمتعُ الآن”(غانم, 2024, 26).
وتعيدُ الكاتبةُ تنظيمَ ما يشكلُ هُويةَ الشخصيات, من قيمٍ وتجاربَ وعلاقات, وصدماتٍ وأحلامٍ مؤجلةٍ , من خلالِ السردِ لتمنحَها شكلًا يمكنُ فهمُهُ من الداخِل, وتكشفُ عن تسربِ السلطةِ الاجتماعيةِ إلى الحكايةِ ومن خلالِ وعيِ الشخصيات تحررُ الهُويةَ من التجمدِ لتعيدَ ضبطَ بناءِ الحكاية, وتأتي فكرةُ توزيعِ العناصرِ التي تُكَّونُ الشخصياتِ من قيمٍ ورغباتٍ وذاكرةٍ وعلاقاتٍ والصورةِ التي تحمِلُها الشخصيةُ عن نفسِها, ويتمثلُ هذا المعنى في شخصيةِ السيدةِ سلمى وأبنائِها بتول وغادة وخالد, حيثُ عملتْ الكاتبةُ على تفكيكِ ما تسربَ إلى وعي الشخصياتِ من الخارجِ من ضغوطٍ وتنميطٍ وتوقعات, لتحتفظَ بما يخدمُ مسارَ الحكايةِ ويعيدُ ترتيبَ ونظمَ النصِ وفقَ سياقِهِ بطريقةٍ أكثرَ انسجامًا مع وعي أبطالِ الحكايةِ ورغبتِهم في التحررِ من خلالِ تجاربِهم المُستجدةِ.
مرَّ الزمنُ السرديُّ بمراحلَ مختلفةٍ في حياةِ الأبطال, بتول وغادة وخالد, منها: طفولَتُهم في عمّان, وعلاقَتُهم بعائلتِهم بعد هروبِ والدتِهم سلمى من ظلمِ والدِهِم سامي, وتعرض الأطفال الثلاثة لظلمِ زوجةَ أبيهِم الأولى مريم, حتى ” أصبحت بتول أكبرَ من سنِّها بسببِ الظلمِ الذي وقعَ عليها هي وإخوتِها, كانت تخدمُ زوجةَ أبيهَا ليلَ نهار, تعتني بخالد وغادة” “(غانم, 2024, 32-33), وبعدَ مرضِ الجدةِ آمنة انتقلت بتولُ أكبرُ إخوتِها للعيشِ مع خالتِها في غزةَ ثمَّ انتقلت للعيشِ في طولكرم, وزواجِها من هشام الذي نتجَ عنهُ ثلاثَ بنات ثم انفصالِها عنه وخذلانِها به. أما غادة وخالد فقد استقروا في نهايةِ المطافِ عند جدتِهم آمنة فهيَ لمْ تعدْ تقوى على الخروجِ من المنزل, ومن بعدِ وفاتِها هاجرا إلى إسبانيا, هذه الارتداداتِ الزمنيةِ جاءت للكشفِ عما عاناهُ أبطالُ الحكايةِ من صراعاتٍ نفسيةٍ داخليةٍ وخارجيةٍ, ويمكنُ القولُ أنَّه زمنٌ نفسيٌّ كما يدركُه أبطالُ الحكايةِ لا كما يحدثُ على أرضِ الواقع, فلا يشعرُ بذلك إلا من عاشَ التجربةَ وعايشَها, فالزمنُ الذي يشعرُ به الشخصُ داخلَ وطنِهِ يختلفُ نفسيًا عن شخصٍ آخرَ خارجَ وطنِهِ في المهجر, وعليه؛ فإنَّ الزمنَ يمكنُ أن يكونَ كونيًا في الرواية, بمعنى أن يكونَ في أيِ وقت.
ومن الملاحظِ أنَّ زمنَ السردِ في روايةِ “تنهيدة حرية” بُنيَ على الزمنِ الماضي المتوترِ لأبطالِ الحكاية, وجاءَ الاسترجاعُ للماضي عبرَ حديثِ السيدةِ سلمى لأحفادِها قائلة: ” أجدادي بقوا في يافا ولمْ يمهلهُمَا الزمنُ طويلًا وماتوا قهرًا, ووالداي كما أخبرتُكَ عاشا في مدينة رفح في غزة” (غانم, 2024, 20), ليشكلَ الوعيَ الجمعيَّ في الهويةِ والتاريخ, حتى أنَّ غيابَ التواريخِ الدقيقةِ أحيانًا جاءت لبعدٍ رمزيٍّ وجوديٍّ من خلالِ تداخلِ الزمنِ النفسيِّ والواقعيِّ, وهذا التوظيفُ يعكسُ رؤيةَ الكاتبةِ المركبةِ للصراعِ دون تحديدِ الزمن بدقةٍ أحيانًا, فـــ “ذكرياتُ الطفلةِ التي كانت تقضي أمسياتٍ سعيدةٍ قبلَ أنْ تدركَ حجمَ معاناةِ والدَيْهَا وشعبِها, برفقةِ والدتِها والجيرانِ على ضفافِ البحر, تغني وتبني قصورًا من الرمل؛ ليأتي الموجُ ويمحوها ويخفي آثارَها كما فعلَ الاحتلالُ بفلسطينيي يافا وغيرِها من المدن” (غانم, 2024, 21).
وبمرورِ الزمنِ شكلت الهويةُ صراعًا زمنيًا بين ماضي الشخصياتِ وحاضرِها, وبين الذاتِ التي عاشت تحتِ وطأةِ الظلمِ وبينَ الذاتِ التي حصلت على الحرية, فالزمنُ أحيانًا يتركُ أثرًا في الذاتِ قد يبدلُ أفقَ ملامِحِها, وقد يؤدي إلى تحولِ الهويةِ النفسيةِ عبرَ الزمن, فالزمنُ غالبًا ما يمارسُ سلطتَه على الوعيِ والذاكرةِ؛ ليعيدَ تشكيلَ الذاتِ عبرَ الاسترجاعِ والتكرارِ ويعيدَ تعريفَ الشخصيةِ لنفسِها من جديد.
وجاءَ المكانُ ليشكلَ تحولاتٍ نفسيةً داخليةً توازي غالبًا تحولاتٍ على مستوى وعيِ أبطالِ الحكايةِ وتشكيلُ صورةٍ ذهنيةٍ مستجدةٍ للذاتِ عكست أسرارًا خفيةً وراءَ أقنعةٍ تخفي وراءَها الحقيقة, حقيقةُ حبِّ بتولَ لحمزةَ وزواجُها منهُ بعدَ تحررِهِ من السجنِ في صفقةٍ لتبادلِ الأسرى, ” وسكنَ بالقربِ من بيتِ وفاء” (غانم, 2024, 188), أما غادة وخالد فقد هاجرا إلى إسبانيا بعد أن احترفَ خالدٌ لعبةَ كرةِ القدم, وبذلك غادرَ أبطالُ الحكايةِ أماكنَ إقامتِهم وتحرروا من الضوابطِ والحدودِ الضيقةِ ليجسدَ المكانُ حكايةَ كلِ شخصيةٍ أثناءَ رحلةِ بحثِها عن ذاتِها وعن هويتِها ليتحولَ المكانُ من جمادٍ إلى تجربةٍ شعوريةٍ تعكسُ صراعَ الشخصياتِ الداخليِّ.
المصدر: غانم, رولا(2024): تنهيدة حرية. ط1, مصر: ببلومانيا
- – د. مريم أبوبكر – المدير الثقافي في هيئة نادي أحباب اللغة العربية الفلسطيني
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .