9:45 صباحًا / 7 يناير، 2026
آخر الاخبار

«العزم المطلق».. الإرهاب الإمبريالي ومحاولة كسر مستقبل فنزويلا ، بقلم : محمد علوش

«العزم المطلق».. الإرهاب الإمبريالي ومحاولة كسر مستقبل فنزويلا ، بقلم : محمد علوش

«العزم المطلق».. الإرهاب الإمبريالي ومحاولة كسر مستقبل فنزويلا ، بقلم : محمد علوش

لم يكن العدوان الأمريكي الذي جرى تسويقه تحت مسمّى «العزم المطلق» مجرّد عملية عسكرية عابرة، ولا ردّة فعل ظرفية على تطورات داخلية، بل جاء بوصفه حلقة متقدمة في استراتيجية متكاملة تستهدف مستقبل فنزويلا نفسها، استراتيجية تقوم على إخضاع البلاد للهيمنة الأمريكية الكاملة، والسيطرة على مقدّراتها الوطنية، وفرض سلطة أمر واقع تنهي المسار التاريخي الذي خطّته التجربة الاشتراكية البوليفارية منذ عهد الرئيس الراحل هوغو شافيز، وتواصلت، رغم كل الضغوط، بقيادة الرئيس المنتخب والمختطف نيكولاس مادورو.


لقد أعادت إدارة دونالد ترامب إلى الواجهة أكثر أشكال الإمبريالية فجاجة ووقاحة، متحرّرة من أي مواربة سياسية أو لغوية، فهي تنظر إلى فنزويلا بوصفها غنيمة استراتيجية مكتملة الشروط: احتياطي نفطي من الأكبر عالمياً، موقع جيوسياسي بالغ الحساسية في أمريكا اللاتينية، وتجربة سياسية شكّلت، على امتداد سنوات، مصدر إلهام لشعوب القارة في مقاومة التبعية وكسر منطق النهب التاريخي، ومن هنا، فإن الهدف الحقيقي للعدوان لم يكن يوماً «حماية الديمقراطية» أو «الدفاع عن حقوق الإنسان»، بل كسر إرادة الدولة الفنزويلية، وإعادة إنتاج نظام تابع يفتح البلاد على مصراعيها أمام الشركات الأمريكية، ويعيد توزيع الثروة الوطنية لصالح النخب المرتبطة بالمركز الإمبريالي.


لقد مثّلت الاشتراكية البوليفارية، منذ شافيز وحتى مادورو، مشروعاً سياسياً واجتماعياً حاول إعادة الاعتبار للفقراء والكادحين، وتحويل الثروة الوطنية من أداة للنهب الخارجي إلى رافعة للعدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية، ورغم ما شاب هذه التجربة من تحديات وأخطاء، فإن جوهرها ظلّ متمثلاً في السعي إلى الاستقلال الوطني، وهو ما لم تغفره واشنطن، فكل تجربة تحاول بناء نموذج سيادي مستقل، ولو بحدوده وإشكالياته، تعدّ تهديداً مباشراً لمنطق السيطرة الإمبريالية، وتدرج سريعاً على لائحة الاستهداف، حصاراً وتشويهاً وانقلاباً وعدواناً، وهو ما عبرت وتعبر عنه السياسية الرسمية للولايات المتحدة.


إن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو لا يهدف فقط إلى شلّ القيادة السياسية أو إرباك مؤسسات الدولة، بل يسعى، في جوهره، إلى خلق فراغ قسري يستثمر لفرض سلطة أمر واقع، سواء عبر واجهات محلية مصنّعة، أو من خلال إدارة انتقالية مفروضة من الخارج، تشرعن التدخل، وتعيد هندسة الدولة الفنزويلية على قياس المصالح الأمريكية، وهي محاولة سافرة لطيّ صفحة كاملة من تاريخ فنزويلا الحديث، ومحو الإرث السياسي لشافيز، وضرب أي أفق لاستمرار المشروع الاشتراكي، لا عبر التنافس الديمقراطي، بل بالقوة والابتزاز والعنف الذي تسميه إدارة ترامب بالعزم المطلق.


غير أن مستقبل فنزويلا، رغم قسوة العدوان ووحشية الحصار، لا يمكن اختزاله في مخططات واشنطن، فالتجربة التاريخية تؤكد أن فرض الهيمنة بالقوة يولّد، بالضرورة، مقاومة مضادة، وأن الشعوب التي راكمت وعياً سيادياً عميقاً لا تهزم بسهولة، فلقد بنى الشعب الفنزويلي، عبر سنوات طويلة من المواجهة مع العقوبات الاقتصادية، والانقلابات الناعمة، والحروب الإعلامية، قدرة عالية على الصمود، ورسّخ في وعيه الجمعي فكرة الاستقلال الوطني بوصفها خطاً أحمر لا يساوم عليه.


إن المعركة الدائرة اليوم هي معركة على المستقبل، وعلى معنى الدولة والسيادة في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب، فهل تترك فنزويلا رهينة لنهب منظّم يعيدها إلى ما قبل شافيز، ويحوّلها مجدداً إلى مزرعة خلفية للشركات العابرة للقارات.. أم تواصل نضالها، بدعم قوى التقدم والتحرر في العالم، من أجل حماية سيادتها، وتطوير تجربتها، وتصحيح أخطائها من داخلها، بعيداً عن الإملاءات الخارجية والوصاية الإمبريالية؟ هذا السؤال لا يخصّ فنزويلا وحدها، بل يطال كل شعوب الجنوب التي ترى فيما يجري إنذاراً مبكراً لما يمكن أن تواجهه إن اختارت طريق الاستقلال والكرامة.


إن إدارة ترامب، بمحاولتها فرض سلطة الأمر الواقع، لا تدافع عن الديمقراطية، بل تدفنها تحت جنازير القوة، ولا تحمي الاستقرار، بل تفجّر المنطقة وتدفعها نحو مزيد من الفوضى، ولا تحارب «الإرهاب»، بل تمارسه بأقصى صوره حين يصبح الإرهاب سياسة دولة وأداة حكم، ومع ذلك، فإن التاريخ لم يكن يوماً في صفّ الإمبراطوريات إلى الأبد، فكما سقطت مشاريع الهيمنة من قبل، سيسقط هذا المشروع أيضاً، مهما طال الزمن، لأن إرادة الشعوب أقوى من كل أشكال القسر.


ستظل فنزويلا، مهما اشتدّ الحصار وتوحّش العدوان، ساحة صراع مفتوحة بين مشروعين متناقضين: مشروع الهيمنة والنهب، ومشروع السيادة والعدالة الاجتماعية، وفي هذا الصراع قد تتبدّل الموازين، وتتعاقب المراحل، لكن الحقيقة الثابتة أن الاشتراكية التي زرعها شافيز، وحمل لواءها مادورو، لم تكن مجرّد سلطة عابرة، بل وعي شعبي متجذّر، والوعي، مهما طال الزمن، لا يختطف، ولا يقصف، ولا يمحى.

شاهد أيضاً

7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس

شفا – أصيب سبعة مواطنين، بالاختناق والضرب خلال اقتحام قوات الاحتلال بلدة عقابا شمال طوباس. …