
العام الدراسي الجديد في محافظة سلفيت ، بين تحديات الواقع وأفق المبادرات المجتمعية ، بقلم : د. عمر السلخي
مع بداية كل عام دراسي جديد، يتجدد الأمل في مستقبل أفضل لأطفالنا، غير أنّ هذا الأمل في محافظة سلفيت يمر عبر محكّ صعب،فالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الأهالي تتشابك مع ضغوط الاحتلال وإجراءاته، من مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات إلى القيود على الحركة وتراجع الفرص الاقتصادية. وفي ظل هذه البيئة المثقلة بالتحديات، يصبح الاستعداد للعام الدراسي عبئاً كبيراً على الأسر الفلسطينية، ويكشف عن الحاجة الماسة إلى مبادرات مجتمعية تساند الأهالي وتخفف من ثقل الأعباء.
التعليم كخط دفاع أول
يُدرك الجميع أنّ التعليم في فلسطين ليس مجرد عملية تقليدية لنقل المعرفة، بل هو فعل مقاومة وصمود يومي. ففي مواجهة محاولات الإفقار والإقصاء، يبقى الاستثمار في التعليم استثماراً في البقاء وتعزيز الهوية الوطنية. ومن هنا، فإن تمكين الطلبة من دخول عامهم الدراسي بكرامة يشكّل أولوية وطنية لا تقل أهمية عن أي شكل من أشكال النضال السياسي أو الاقتصادي.
التحديات الاقتصادية والاجتماعية
الأهالي في محافظة سلفيت، كما في بقية المحافظات الفلسطينية، يواجهون تكاليف باهظة تتوزع بين الرسوم المدرسية والزي الرسمي والحقائب والأدوات القرطاسية. هذه المصاريف تتضاعف مع الأوضاع المعيشية الصعبة الناتجة عن تراجع مستويات الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، واستنزاف الموارد بفعل الاستيطان. وفي كثير من الأحيان، يجد الآباء أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة أو توفير مستلزمات الدراسة لأبنائهم.
مبادرات سابقة ملهمة
شهدت محافظة سلفيت في الأعوام الماضية عدداً من المبادرات الملهمة التي يمكن البناء عليها:
في بلدتي الزاوية وديراستيا، نظّم عدد من الحلاقين الشباب مبادرة مجانية لحلاقة شعر الأطفال قبل بداية العام الدراسي، ما ترك أثراً إيجابياً في نفوس الأهالي والطلبة.
في مدينة سلفيت، أطلق ناشطون بالتعاون مع مؤسسات خيرية حملة لتغطية الرسوم المدرسية لعدد من الطلبة الأيتام وذوي الدخل المحدود، وضمنت الحملة التحاقهم بالمدارس دون عوائق.
في قرى مثل كفر الديك ودير بلوط، ساهمت الجمعيات النسوية في تنظيم حملات لجمع الحقائب المدرسية والقرطاسية، حيث تكاتفت الجهود المحلية لتوزيعها على الطلبة المحتاجين بشكل منظم وعادل.
بلدية سلفيت قامت بتغطية الرسوم المدرسية عن جميع طلبة المدارس في مدينة سلفيت.
مبادرات شبابية فردية ظهرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أعلن شبان مقتدرون عن استعدادهم لتوفير زي مدرسي أو أدوات تعليمية لعدد من الطلبة، وهو ما لاقى تفاعلاً واسعاً.
البعد الاجتماعي والوطني للمبادرات
هذه المبادرات لا تقتصر على بعدها الإغاثي، بل تعكس منظومة قيم فلسطينية عميقة أساسها التضامن والتكافل. فهي تؤكد أن المجتمع، رغم كل الضغوط، ما زال قادراً على تنظيم نفسه وإيجاد حلول خلاقة لمشكلاته اليومية. كما أنها تعيد الاعتبار للتعليم باعتباره أداة استراتيجية لمواجهة محاولات التهميش والتجهيل.
دعوة مفتوحة للعمل
إننا اليوم أمام اختبار وطني وإنساني في آن واحد، نجاح العام الدراسي الجديد في محافظة سلفيت لا يقاس فقط بنسبة التحاق الطلبة بالمدارس، بل أيضاً بقدرتنا على خلق بيئة مجتمعية تساند التعليم وتمنح الأطفال الأمل والثقة. من هنا، تقع المسؤولية على المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص والأفراد المقتدرين للمساهمة الفاعلة في هذه المبادرات، كلٌّ حسب طاقته وإمكاناته.
في ظل هذه الظروف القاسية، يصبح التعليم بوابة الأمل التي يجب ألا تُغلق بوجه أي طفل فلسطيني. والمبادرات المجتمعية، مهما بدت صغيرة، تحمل في طياتها رسالة كبيرة: أن الشعب الذي يتمسك بالعلم والمعرفة، هو شعب يصرّ على البقاء ويصوغ مستقبله رغم كل العواصف.