1:00 صباحًا / 31 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

حوار خاص مع الأسير المحرر أيمن عثمان مصطفى جعيم

حوار مع الأسير المحرر أيمن عثمان مصطفى جعيم

شفا – حوار خاص مع الأسير المحرر أيمن عثمان مصطفى جعيم ، أجرى الحوار – امال الحاجي ..

الاسير الذي سأله القاضي هل ندمت ، أجابه نعم ندمت لأنني لم أقتل الكثير منكم

حوار مع الأسير المحرر أيمن عثمان مصطفى جعيم
تاريخ الميلاد24/10/1983
مدة الحكم: مؤبد + 15 سنة
مدة الاعتقال: 25 سنة (منها سنتان قضاهما في الاعتقال الإداري)
من بلدة قاقون (قضاء طولكرم)

سؤال — هل شعرت يومًا أن الزمن توقف داخل السجن؟ وإذا توقف، ما الذي كان يتحرك في داخلك؟


طبعًا، كثيرًا ما شعرنا أن الزمن توقف. كانت تمر على الأسير لحظات يشعر فيها كأن الحياة قد تجمّدت، وكأن الزمن لم يعد يتحرك. أحيانًا كانت تمر لحظات سعيدة نحن من نصنعها ونعيشها رغم الجدران، لكن أيضًا كانت تمر علينا لحظات صعبة جدًا، قاسية إلى أبعد الحدود، ولولا وجود الإخوة من حولنا، ممن يساندوننا ويقفون معنا في مواجهة هذه الصعوبات، لربما كانت تلك اللحظات قاتلة.


الذي كان يتحرك في داخلنا رغم توقف الزمن، هو الروح؛ روح الإرادة، والعزيمة، والتحدّي.

سؤال — ما أصعب اللحظات التي مرّت عليك خلال سنوات الأسر؟


أصعب اللحظات كانت دائمًا حين تصل الأسير أخبار مؤلمة عن أهله: وفاة، مرض، أو حتى غياب طويل. هذه اللحظات تمزق القلب، لأنك بعيد، عاجز، ومحرم من أن تكون معهم أو تواسيهم. حتى لحظات الفرح، كزواج أ الإخوة، كانت رغم جمالها مؤلمة، لأنك محروم من المشاركة، محروم من الحضن والدفء ومن أن تعيشها كما ينبغي.

سؤال — كيف عشت لحظة اعتقالك؟ وماذا بقي منها في ذاكرتك؟


أصعب من كل تلك اللحظات كانت لحظة الاعتقال: اقتلاعك من حياتك، من حريتك، من عالمك. ولحظة التحقيق كانت أقسى، خاصة في الزنازين، حيث تنفصل عن الحياة كليًا وتعيش تحت ضغط نفسي وجسدي هائل. كنا نتمنى أحيانًا أن تنتهي الحياة في تلك اللحظات، لكن كنا على يقين أن هذا العتم سينقشع، وأننا سنخرج يومًا ما إلى النور بإذن الله.

سؤال — كيف كنتم تتعاملون مع الحياة اليومية داخل الأسر؟ هل كان فيها ما يُخفف العبء؟


رغم كل هذا، مرت علينا أوقات جميلة داخل الأسر؛ لحظات تشبه الضوء في النفق. كنا نصنع الفرح رغم الألم، خصوصًا في المناسبات الجماعية مثل رمضان، الأعياد، والمناسبات الوطنية والخاصة. كانت لنا طقوسنا، حياتنا، عالمنا الصغير الذي نحاول أن نملأه بالحب والدعم والأمل.

سؤال — ما الدور الذي لعبه رفاقك الأسرى في التخفيف عنك؟


الدور كبير جدًا. الإخوة من حولنا كانوا دائمًا السند. في اللحظات الصعبة، وجودهم وحده كان قوة. كنا نتشارك الألم والفرح، ونتقاسم كل شيء. هذا التضامن هو ما أنقذنا من الانهيار.

سؤال — هل كنت تتمنّى أن تكون هناك في لحظات خاصة مع أهلك؟ كيف كنت تعيش هذا الحرمان؟


نعم، كنت أتمناه دائمًا: ، أن أقبل رأس أمي في مرضها، أن أكون إلى جانب إخوتي في أحزانهم وأفراحهم. كان هذا الحرمان مؤلمًا جدًا. لحظات الفرح تحوّلت أحيانًا إلى وجع لأنني كنت بعيدًا.

سؤال — ما الذي أعطاك القوة لتُكمل هذه السنوات الطويلة؟


اليقين. كنا نعرف أن الظلام سينقشع، وأن التحقيق والعزل والعذاب سينتهون. كنا نؤمن أننا سنخرج، وسنعود إلى الحياة. وكان هذا الإيمان النور الذي نتمسك به كل يوم.

سؤال — بعد 25 عامًا في الاعتقال، ما الذي بقي فيك؟ ما الذي تغيّر؟ وماذا تقول اليوم لكل أسير ما زال في الزنزانة؟
بقي فيّ الإيمان، وبقيت روح لا تنكسر. تغيّرت نظرتي للحياة؛ تعلمت أن الحرية لا تُقاس بالزمن، بل بالكرامة. السجن لا يكسر من آمن بقضيته، بل يزيده إصرارًا. أقول لكل أسير: «لا تفقد الأمل، ولا تترك روحك تنكسر. الزمن قد يتوقف، لكنك أنت من يحرّكه من الداخل. ثق أن كل لحظة صبر ستثمر، وأن الفرج آتٍ لا محالة.»

سؤال — في زمن الأسر الطويل، كيف كنت تعيد بناءك الداخلي عبر الدعاء؟ وهل شعرت أن الله كان أقرب إليك في ظلمة الزنزانة مما كان في أيام الحرية؟


بالنسبة للدعاء، كنت دائمًا متمسكًا بهذا الباب؛ لا يُغلق عندي أبدًا. كنت أشكو لله حالي، ضعفي، والظلم الواقع عليّ، وأعلم أنه يرى ويسمع ويعرف كل ما في داخلي. كنت في مناجاة دائمة، خاصة في الثلث الأخير من الليل: أصلي قيام الليل وأدعو بأسمائه الحسنى، وأردد الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ، وأحيانًا أدعو بعفوية من القلب.


كنت أترقب شهر رمضان وأنتظر العشر الأواخر بشغف لأتضرع فيها أكثر. في كل دعاء كنت أشعر أن لحظة الحرية قادمة؛ كنت أراها وأستحضرها كحقيقة، فتنهمر دموعي بغزارة. أبكي بصمت، لا أحد يراني ولا أحد يسمعني، إلا الله. كنت أبكي كطفل يشتاق إلى حضن أمه: بكاء فيه ضعف وفيه يقين.

سؤال — ما الفرق بين الدعاء المحفوظ والدعاء الذي يخرج من الأعماق؟


الدعاء المحفوظ مهم، لكنه لا يشبه دعاء القلب حين تضيق الدنيا. في تلك اللحظات لم أكن أردد فقط، بل كنت أتحدث مع الله، أفتح له قلبي وأريه كل ما في داخلي. كنت أراه قريبًا، كأنني أراه يسمعني ويراني، وهذا الإحساس كان يحفظني من الانكسار. كنت أستشعر وجوده بقوة في وحدتي، وكان ذلك يكفيني.

سؤال — هل كان الدعاء وسيلة للنجاة النفسية أم ملاذًا روحيًا أعمق؟


في البداية ربما كان وسيلة نجاة، لكن مع الوقت صار عمودًا من أعمدة الحياة. لم يكن فقط لتهدئة النفس، بل صار حياة كاملة؛ الدعاء أبقاني إنسانًا وثابتًا، جعلني لا أنهار وما جعلني أستمر.

سؤال — قلت إنك رأيت الحرية في دعائك… هل كنت ترى الحلم أم الحقيقة؟


رأيت الحقيقة. كنت أراها كأنها مشهد أراه بالفعل: أرى نفسي خارج السجن، أمشي في الشوارع، أرى أهلي، أتنفس الحرية. هذا الشعور الذي يأتي في ذروة الدعاء كان أقوى من كل القيود؛ أعيش لحظة حرية كاملة في الركعة، في السجدة، في دمعة نازلة وأنا أقول: «يا رب».

سؤال — ما أكثر شعور استبدّ بك في تلك اللحظات؟ الخشوع أم الأمل أم البكاء؟


كلها اجتمعت. لكن أكثرها كان الإحساس بأن الله وحده يعلم ويسمع ويحتوي. كنت أبكي بعمق، لكن في البكاء كان شفاء. لا أرد أن يسمعني أحد؛ كنت في حضرة الله، وهذا كان كافياً. كانت الدموع صلاتي الثانية، تسيل دون استئذان.

سؤال — قلت إنك تحمل ندمًا داخليًا. هل يمكنك الحديث عنه؟


نعم. الشيء الوحيد الذي ندمت عليه هو أني لم أقتل أكثر من أعدائي من محتليني، لأنهم حكموا عليّ مدى الحياة. الندم ظل في داخلي سنين طويلة. كنا نخطط لتنفيذ عمليتين كبيرتين في يوم اعتقالنا: واحدة قنص، والثانية خطف وقتل. لكن تم اعتقالنا قبل التنفيذ بساعات. كنت أقول بيني وبين نفسي: «ليت الاعتقال جاء بعد التنفيذ، لا قبله.»


لم يُكتب لي أن أكمل ما بدأته؛ كنت أشعر أني في دين، وأن وطني كان يستحق المزيد مني. ربما هذه مشاعر لا تُفهم بسهولة، لكن من عاشها يعرف ألمها.

سؤال — هل ترى أن هذا الندم كان دافعًا للصبر أم عبئًا عليك؟


كان الإثنان معًا. كان عبئًا لأنني شعرت أني لم أقدّم كل ما أستطيع، وكان دافعًا لأنني أردت أن أخرج من السجن ثابتًا، معتزًا بما فعلت، راغبًا في الاستمرار في طريق المقاومة إن قدّر الله.

سؤال — ما الصورة التي لم تفارقك خلال سنوات الأسر؟


بصراحة، صورة ، أمي، أبي، أخي. كنت أراهم في كل لحظة: في الصلاة، في الدعاء، في العتمة وفي الصمت. كنت أخاف أن تتغيّر ملامحهم في ذاكرتي، لكنهم ظلوا معي أوفياء للذاكرة. لم يغيبوا.

سؤال — هل كنت تخشى أن تنساهم؟ أم أن تُنسى أنت؟


لا، لم أخشَ أن أنساهم. لكن كنت أخشى أن أتغير؛ أن أصبح إنسانًا بلا إحساس، بلا ذاكرة. صورهم حفظت إنسانيتي، وحبهم علّقني بالحياة، وأبقاني حيًا رغم كل شيء.

سؤال — هل شعرت أحيانًا أن الغربة في الزنزانة أقل من الغربة عن حضنهم؟


نعم. كان أكثر ما يؤلمني هو الحرمان من الوجود معهم، من مشاركة الحياة. أحيانًا كان الحنين موجعًا أكثر من العزل، من القضبان، ومن التحقيق. أشتاق لحضن أمي، لصوت أبي، . وما أصعب أن تشتاق ولا تملك إلا أن تبكي.

سؤال — هل ترى اليوم أن حضورهم في ذاكرتك هو ما أبقى قلبك حيًا؟


بكل تأكيد. هم النبض الذي كان في داخلي. هم الوطن الصغير الذي ظل في قلبي حتى عاد جسدي إليه.

سؤال — ما شكلك الداخلي الآن؟ بأي وجه تنظر إلى نفسك بعد كل هذا؟


أشعر أني لست نفس الأسير الذي دخل قبل 25 عامًا. الأسير عندما يدخل السجن يدخل بروح ثانية، بعقلية ثانية؛ السجن يصقل الإنسان ويشكله. فترات السجن هي مدرسة حقيقية: تشكل الأسير سياسياً وثورياً وأخلاقياً. قد يرفع من نضج الإنسان بشكل يفوق عمره الزمني. أنا أرى أنني خرجت بروح شابٍ لكنه مثقّل بخبرة العمر، بروح فيها حيوية ونشاط لكنها محملة بثقل الانتماء والوطن.

سؤال — هل هناك ما لا يمكن قوله؟ الغرف المغلقة في الروح؟


نعم، هناك أمور نتحفظ بها في أعماق قلوبنا: أمور تخص الزوج والأبناء والأهل، وكذلك أمور شخصية تخص نفس الأسير. هذه أمور لا يفصح عنها إلا في حينها أو أمام من يختار له الوقت والمكان.

سؤال — حين خرجت من الأسر، من خرج؟ الجسد فقط أم خرج معك أحدٌ آخر يشبهك ولا يشبهك؟


خروجي لم يكن خروج الجسد وحده. خرج معي إنسانٌ مشبع بتجربة السجن: بروحٍ لم تتقدم كثيرًا زمنًا لكنها ناضجة في الانتماء، في الإيمان بالثورة والوطن. السجن لم يأخذ منا الأمل، بل أعاد تشكيلنا؛ من خرج كان مزيجًا من الجسد والروح والتجربة التي صنعت إنسانًا مختلفًا عن ذاك الذي دخل.

المعاناة المزدوجة للأسير الفلسطيني:

الأسير الفلسطيني يعيش معاناة مزدوجة؛ إذ لا يواجه فقط قيود السجن وجدرانه، بل يعاني ألم البُعد عن أهله، وحرمانه من حضن أمه وأبيه، ومن متابعة حياة أبنائه، وأفراحهم وأحزانهم. هذه المعاناة المزدوجة تزيد من ثقل الأسر وقسوته على الأسير وذويه.

معاناة الأسرة في موضوع الزيارات:

كانت الأسرة تكابد في سبيل رؤيتنا، تخفي عنا حجم معاناتها، وتقضي ساعات طويلة تحت لهيب الحر أو برد قارس أمام السجون، أحيانًا بلا طعام أو ماء، فقط من أجل لحظة قصيرة للاطمئنان علينا. كانت الزيارات محدودة بساعة وربع مرة واحدة في الشهر، وهذه المعاناة تزيد من ألم الأسرى نفسيًا.

ظروف التنقل عبر “البوسطة” وتأثيرها على الأسير:

كانت “البوسطة” صندوقًا حديديًا ضيقًا وخانقًا، يزيد من معاناة الأسير في كل رحلة نقل، وأحيانًا نمكث فيها ثلاثة أيام متتالية من أجل زيارة طبيب لا تتجاوز دقائقها. هذه الظروف تزيد من مرض الأسير بدل شفائه، خاصة مع التنكيل والتفتيش القاسي. كانت الاعتداءات المنظمة لوحدات القمع تترك آثارًا لا تُنسى.

ممارسات القهر وتأثيرها النفسي والجسدي:

كانت إدارة السجون تفتش غرف الأسير بعنف، وتكسر وتدمر أمتعته، تضيع الصور الخاصة، تصادر الأجهزة الكهربائية، في محاولة لتعذيبه نفسيًا وجسديًا ونزع كرامته. وحدات القمع كانت تستخدم العنف المفرط، والكلاب للتهديد، مما يترك في نفسية الأسير آلامًا عميقة، لكنه كان يصمد مؤمنًا بأن الفرج قادم.

تأثير التعذيب على الروح المعنوية:

التعذيب الجسدي والنفسي هدفه تحطيم الروح، لكنه على العكس أوجد مقاومة داخلية. ترك الأظافر والشعر ينموان كان رمزًا صامتًا للتمرد على الظلم، وإظهار أن الروح ما تزال حرة رغم القيد. هذا التحدي أعطى السجناء شعورًا بالسيطرة رغم القسوة.

الفرق بين تجربة المعتقلات الفلسطينية والنازية:

الفرق يبرز مدى تعقيد سرد التاريخ، وأن معاناة الأسرى الفلسطينيين رغم حدتها قد لا تجد مكانها في الذاكرة العالمية، ما يعكس حسًا بعدم العدالة وغياب الاعتراف الكافي بمعاناتهم.

وأخيرًا، أقول لإخوتنا في الجزائر:
عاشت الجزائر حرّةً أبِيّةً،
عاش شعبها الأبي،


وعاشت الجزائر بشعبها وحكومتها وعلمها،
الذي سيرفرف – إن شاء الله تعالى – دائمًا، دائمًا،وفي تذكّرنا الدائم لهم لكم كل التحية، ولكم كل السلام مني ومن كل شعب فلسطين، صغيرًا وكبيرًا.


هذا فضل لن ننساه، ولن ننسى كل إنسان وقف إلى جانب الشعب الفلسطيني،


وسانده، وكان معه يدًا بيد.

لكم منّا كل الاحترام،
وننحني أمامكم انحناءة الرجل العظيم،
تقديرًا لمواقفكم النبيلة. كما لا أنسى تونس و اليمن و لبنان و العراق

شاهد أيضاً

وليد العريض

أمة تبيع المستقبل في سوق المستعمل ، بقلم : د. وليد العريض

أمة تبيع المستقبل في سوق المستعمل ، بقلم : د. وليد العريض الكاتب العربي كائنٌ …