4:05 مساءً / 29 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

قراءة في “آخر قيامات الدم” للشاعرة السورية ريما حمزة : قصيدة القيامة التي لا تنطفئ ، بقلم : رانية مرجية

قراءة في “آخر قيامات الدم” للشاعرة السورية ريما حمزة : قصيدة القيامة التي لا تنطفئ ، بقلم : رانية مرجية

مدخل: صوت يتجاوز اللغة

قصيدة “آخر قيامات الدم” للشاعرة ريما حمزة ليست نصًا يُقرأ، بل نداءً داخليًا يُسمع في الروح قبل العين. إنها قصيدة تتجاوز حدود اللغة لتغدو أشبه بجرسٍ يدقّ في ذاكرة الأمة، إعلانًا عن قيامة لا تخص فردًا أو مدينة بعينها، بل تخص الإنسان في أقصى عريه وجرحه.

الدم كأيقونة مقدّسة

حين تقول الشاعرة: “ودمي سقايةُ الحاجِّ إلى زيتونةٍ ثكلى”، فهي تنقل الدم من كونه مادة للفناء إلى طقس مقدّس، دم يتحول إلى ماء وضوء، إلى شهادة تتوضأ بها الأرض لتواصل الصلاة. هنا يصبح النزيف فعل حياة لا فعل موت، وتغدو غزة المعراج الجديد للقداسة، “خاتم في إصبع القدر”، أي العلامة التي لا تُمحى على جسد التاريخ.

الرموز الممزقة بين الأرض والسماء

القصيدة تمشي فوق خط النار بين الثريا والثرى، بين هاويتين: هاوية الفناء وهاوية الخلود. تتوزع الرموز بين موروث عربي/إسلامي (ديوان الحماسة، النونية، الفاتحة) وبين ميثولوجيا كونية (الناي، الملائكة، الجنات). لكن هذه الرموز لا تأتي لتزيين النص، بل لتنهار داخله، لتُعلن أن كل الطلول مقابر، وأن كل الحناجر المزمجرة لا تُعيد الحياة لفارس غائب.

غزة: البوصلة والجرح

غزة في النص ليست مكانًا محاصرًا، بل بوصلة كونية. هي النبض الذي يذكّر الشاعرة والقارئ معًا أن العالم بلاها تيه. إنها الطفلة التي تحبو وسبّابتها نحو السماء، سؤال أبدي يفتح على اللايقين. “غزة واحدة” لكنها تختزل ألف شهيد وألف نبي وألف سؤال. إنها أيقونة القيامة المعاصرة التي تُعيد تعريف معنى البطولة والفقد والقداسة.

الوجدان الوجودي: القيامة المبكرة

تقول الشاعرة: “مبكرة هذي القيامة”، وكأنها تعلن أنّ الموت لم يعد نهاية زمنية طبيعية، بل صار فعلاً متعجلاً، يقتحم البيوت قبل أوانها. القيامة هنا ليست وعدًا إلهيًا فحسب، بل واقعًا يوميًا يعيشه الفلسطيني. ولهذا، تتحول القصيدة إلى مرثية لزمن الإنسان، وإلى سؤال وجودي: بأي صهيل ينهض السيف بعد أن استراح في غمده؟

خاتمة: الشعر كصلاة جديدة

قصيدة ريما حمزة لا تُشبه نصوص الحرب المعتادة؛ إنها ليست صرخة غضب فحسب، بل صلاة من نوع آخر، صلاة تموسق الأنّات على “شريعة الآلام”. كل لغات الأرض أقصر من أن تصف التراب على وجه فتى، لكن القصيدة تتجرأ أن تقول، أن تشهد، أن تنزف. ولهذا، فإن “آخر قيامات الدم” ليست آخرًا أبدًا، بل استمرارًا للقيامة المفتوحة، للدم الذي يظل يكتب نصه الأخير من جديد.

آخر قيامات الدم
ريما حمزة
سقطت آخر أوراقِ ديوان الحماسة
وعلى نونيّةِ ابن كلثومٍ
قرأنا الفاتحة
كلُّ الطلولِ مقابرُ
والرقصُ بينَ هاويتينِ معلّقٌ
بينَ الثُريّا والثرى.
لا بُشرى في قوافينا تزغرد ،
ودمي سقايةُ الحاجِّ إلى زيتونةٍ ثكلى
كلُّ الجهاتِ قراصنةٌ
وآخرُ الجرحِ طفلةٌ تحبو
سُبابتُها نحوَ السماءِ سؤالٌ
وجهُ الإلهِ قريبٌ
ونحوهُ ألفُ شهيدٍ …ألفُ نبيٍّ
ألفُ سؤالٍ …. وغزّةُ واحدةٌ
خَاتمٌ في إصبعِ القدر،
ونايٌ يتلوَّى في حلم النبيين .
ألا أيُّها الشهداءُ السعداءُ
مهلا
لايشبهُ دمي غيرَ أقصى الأقصى
تهوي السماءُ حمماً
أرفعُها بعلامةِ استفهامٍ قديمة
كلُّ الجِنانِ بلا وصايا
إلّا غزّةُ كاس وقصيدة وملائكة
يطوفُ بها وِلدانٌ لا رؤوسَ لهم .
يا خيبةَ الأحلامِ ما فتئتْ
تفكُّ أزرارَ الخلودِ عن عتب
مبكرة هذي القيامة
وبيتُ قصيدها يموسقُ الأنّاتِ
على شريعةِ الآلامِ
كلُّ اللغاتِ أقصرُ من قامةِ التراب على وجهِ فتىً
أينَ منكِ ياقوتةَ الشفقِ المروّعِ؟
للمعابد حُرمةٌ
وللآلهةِ حصانةٌ
ولأجداثِ الوردِ شفاعةٌ
أحدّقُ في القياماتِ القريبةِ والبعيدة
لاشيءَ يشبهُني
سوى أغنيةٍ تكشفُ زيفَ المغنّي.
قلبي طريقٌ موحشٌ
وغزّةُ بوصلة في عراءٍ بعيد
أُغالبُ انطفائي
أُطلقُ القوافي
موسيقى يمام
وأُرّبتُ بالبسمة
على وجوهِ الشهداء
هذهِ آخرُ قياماتِ دمي
فبأيِّ صهيلٍ ينهضٌ السيفُ المستريحُ إلى غمده ؟!.

شاهد أيضاً

63,025 شهيدا حصيلة حرب الإبادة الجماعية في غزة منذ بدء عدوان الاحتلال

63,025 شهيدا حصيلة حرب الإبادة الجماعية في غزة منذ بدء عدوان الاحتلال

شفا – أعلنت مصادر طبية، اليوم الجمعة، ارتفاع حصيلة شهداء حرب الإبادة الجماعية التي ترتكبها …