6:47 صباحًا / 18 يونيو، 2021
آخر الاخبار

لا يأتي فجأة ، بقلم : فاتن نور

لا يأتي فجأة ، بقلم : فاتن نور

ليس ثمة موت مفاجئ. أنت فقط.. لا تعلم بموتك.. لا تراه.
لم يخبروك بأنك ميت.
وكنت قد شرعت بالموت، الساعة الأولى التي لصقوا بك اسماً.
لا، ليست ساعة نزولك لبلاهة الشمس. كنت مقرفصاً بعتمة ماء، في إحدى البطون المتورّمة بك، حينها لصقوا بك اسما مملّاً، وتبادلوا نظرات الرضا والاستحسان، فخورين بمهارتهم في اختيار الأسماء المستهلكة أو التافهة، ثم انصرفوا لمشاغل موتهم.
لكنك شققت طريق موتك باللهو واللامبالاة، لأنهم أوهموك بأنك نزلت حيّاً، بلا عاهات بائنة. فيما أعدّوا لك كل ما يليق بموتك، وعاهاتك الصائتة، والصامتة أيضاً، سيما الغشاوة السميكة، تلك التي عصّبوك بها، لأجل أن يكون رأسك قابلاً للتدوير، كالنفايات.

وأنت لا تبالي، وهذا أول ما تتعلم وتتقن، في سنيّ موتك الأولى، أن لا تبالي.
أن تتحرك محاولاً، مثل بهلوان أحبه جمهور غفير، فيما هم منكبّون على رجليك ويديك، أنفاسك وطباعك، بما يشبه خرق الأكفان. صيّروك خشبة ممدودة لا تميد، فيما تفتح شهيّتهم للتنبّؤ والتنظير.
فأنت الباب الذي قد تكونه، لفردوس يحبونه أو جحيم، ويغدقون عليه بالأبواب.
ولن يخبروك، أنك ستكدح، وتصاب بجنون الكدح طوال أشواط موتك، لدفع فواتير بعضها.

فيما كانوا فرحين بك، مغمورين بتناسلهم العشوائي.. وكأنهم أنجزوا شيئاً عظيماً، وكأنك أكثر من ناتج عرضي لممارسة عابرة. أو أنك الوحيد الذي هبط بموته بلا مظلة.
وثمة قلق يحزّ أعماقهم حول شائعة تقول؛ هروب الموتى الجدد إلى موت أقلّ فصاحة أو فداحة، شيء محتمل، قد يؤول إلى شهقة حياة. وهي شر مستطير في عرف جهابذة الموت، ونشوز خارق لا يحتمله الذين تمرسوا بالموت ونبغوا في افانين عيشه.
وأنت حتى لا تسأل، لماذا يحتفون بك كل عام، لماذا لا تأخذك صهوة شك أو فضول. لأنك مجبول على سمات الموت وخصاله، وفطرته أن لا تسأل، أن تتحلّى بكره التآكل وذهاب الأثر. فالموتى يتآكلون بسرعة ما وراء الأكمة، إذا لم يعتمروا جيداً بمعاداة السؤال.. أي سؤال.
هم حريصون عليك دون شك. يريدونك ببنية قوية، تتناسل بها ملكات الموت وتزدهر. كيلا تكون معدماً، تعيساً وأنت تشقّ طريق موتك.. الذي لا تدريه.

أنت الآن، ولأنك ميت مثالي، منسجم مع تقاليد الموتى وأعرافهم، وملتزم بطاعتهم؛ تصيخ كما علموك، لسماء ما رافعاً رأسك أو مؤخرتك، لأنها شاهد على موتك، وأنت شاهد على موتها. وشرعتما سوية بتجاذب أطراف الموت، وسط جلبة الموتى وأهازيجهم.
ولأنك كل هذا، أنت الآن في شوطك الأخير الملبّد بخبرات الموت، وفي آخر لحظة منه وآخر زفرة؛ ستراهم يبكونك ملء أجفانهم، لأجل إيهامك بأنك كنت حيّاً، ومتّ للتو.. للتو..
ولسوف تشعر لأول مرّة بأنك ميت، ومت للتو.
وسوف لا تأخذهم سنّة ولا نوم لأنهم ميتون مثلك، وسيمكثون بك، ويتحلّقون لذكر محاسن موتك وسيئاته أربعين يوماً، أو حتى ولادة ميت جديد يلصقون به اسماً، وينشغلون بتوكيد موته.

شاهد أيضاً

طائرات الاحتلال تقصف عدة مواقع في قطاع غزة

شفا – قصفت طائرات حربية إسرائيلية، مساء الخميس، عدة مواقع في قطاع غزة. وأفادت مصادر …