2:37 مساءً / 28 أكتوبر، 2021
آخر الاخبار

ماذا يمكن أن تفعل بعشرين عاما؟ بقلم : علي الصراف

ماذا يمكن أن تفعل بعشرين عاما؟ بقلم : علي الصراف

الولايات المتحدة بلد قديم الآن. يبلغ عمره نحو 245 عاما، وهي أقامت، بمرور الوقت مؤسسات ذات طبيعة راسخة، وتقاليد متينة، مما يوفر لها وسائل معقولة للفهم والتدبير.

هذه الولايات المتحدة هي أكبر بلد في العالم من حاملي جوائز نوبل في مختلف أنماط العلوم. وهي أيضا بلد لأكبر عدد من حاملي ميداليات الرياضات الأوليمبية، وفيها كبريات الصحف وأضخم محطات التلفزيون، وأكبر شركات الإنتاج السينمائي، وأكبر الناشرين، وهي أكثر دول العالم إنتاجا للكتب، وأكثر أعداد مؤسسات البحث والتفكير. وأكثر العلماء في كل مجال من مجالات المعرفة، وأكثر الجامعات رقيا من حيث التفوق العلمي والإنجاز العملي.

إنها أكبر اقتصاد في العالم، ليس من حيث الحجم والعائدات، ولكن من حيث القوة المعرفية، التي تقف وراء هذا الحجم، كما أنها أكبر قوة عسكرية في العالم.

كل شيء هناك كبير وعظيم وهائل. إلا أنها في الوقت نفسه بلد غبي. بل إن غباءها عظيم بمقدار ما هي عظيمة قوتها العسكرية وإمكانياتها المادية وتفوقها العلمي.

ماذا تفعل لو أتيحت لك عشرين عاما، وأنت تملك كل تلك المعرفة وكل تلك المؤسسات ويقف وراءك كل ذلك العدد الغفير من الخبراء والعلماء وتملك كل ذلك المقدار من المال؟

المنطق يقول، إنك لن تخطو خطوة إلا وتتغلب فيها على “ديب بلو” (جهاز الكمبيوتر الذي تفوق على غاري كاسباروف بطل العالم في الشطرنج). وحيث أنك تملك المعرفة والقوة والمال، فليس من المرجح على الإطلاق أن ترتكب خطأ واحدا. وبما أنك تعرف كل شيء تقريبا، من خطوطه العريضة إلى كل التفاصيل، فلن تعجز حتى عن معرفة أدق وأصغر المعوقات التي قد تعترض الطريق. كل شيء سيكون واضحا امامك، بما في ذلك التعقيدات السيكولوجية للأفراد والسيسيولوجية للمجتمعات.

لو امتلكت عشرين عاما، فأنت تملك القدرة، على أن تأخذ طفلا إلى المدرسة حتى يتخرج طبيبا. أو أن تجعله أعظم لاعب كرة قدم، أو أكبر موسيقي عرفته النمسا، أو أهم مهندس معمار عرفته الإمبراطوريات العظمى.

فلماذا لم تتمكن الولايات المتحدة، عندما أخذت مجتمعين مثل العراق وأفغانستان لعشرين عاما من الهيمنة، من أن تُخرّج منهما إلا اللصوص والدجالين؟

لماذا أنفقت 3 تريليون دولار، ودفعت ثمانية آلاف قتيل و100 ألف جريح ومعوق، على تعليم الأفغان والعراقيين الديمقراطية، ثم انتهت إلى تسليم السلطة لطالبان في أفغانستان، ولميليشيات الولاء لإيران في العراق؟

من هو الغبي الذي قاد هذه المسيرة المظفرة إلى الهاوية؟ وأين ذهبت كل تلك العقول والخبرات؟ وما الذي جعل هذه الدولة، العظمى في كل شيء، تبدو ذليلة وعاجزة وفاشلة أمام عصابات جريمة وفساد وانحطاط أخلاقي؟

كيف جاز لـ”ديب بلو” السياسة والمال والقوة العسكرية أن يُهزم أمام قوى متخلفة عقليا؟ أم أنه لم يكن “ديب بلو”، وإنما عقل حمار ظل يسيطر على صنع القرار، من البيت الأبيض إلى الكونجرس إلى البنتاجون ثم إلى كل مؤسسات ومراكز التفكير الأخرى؟

لقد وضعت الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق قدرات هائلة. ولكنها فشلت في كل شيء.

لا أحد يقول إن هذين البلدين كانا مؤهلين من الأساس لكي يتحول أفرادهما إلى أطباء ومهندسين وعلماء، رغم أن فيهما ما يبرر هذه الإمكانية. ولكنهما كانا على الأقل مؤهلين لدخول المدرسة. كان بوسعهما أن يتقدما، ولو قليلا، في مسيرة التحضر، لا أن يقعا في مستنقع الانحطاط الشامل في التعليم والخدمات وفساد الإدارات.

يستطيع المرء أن ينظر إلى بول بريمر، حاكم العراق الأول بعد الغزو، ليكشف كم كان جاهلا وغبيا ليس بأقل من غباء وجهل قائده دونالد رامسفيلد وزير دفاع الغزو، وحاقدا ليس بأقل من ديك تشيني نائب الرئيس وسطحيا ليس بأقل من سطحية الرئيس جورج بوش نفسه.

قادة من هذا النوع انفصلوا عن كل ما هو عظيم في الولايات المتحدة، ليبدو أنهم مجرد عصابة منشقة عن كل قيم المعرفة في بلده.

وعندما ترى ما يفعله الرئيس جو بايدن الآن في قضايا الأمن الإقليمي وفي العلاقة مع حلفاء الولايات المتحدة، فإنك سرعان ما سوف تكتشف أن العصابة تبدلت فيها الوجوه، إلا أنها ظلت عصابة لا علاقة لها بأي معنى من معاني القوة والمعرفة ولا حتى الأصول الديبلوماسية. ذهب دونالد ترامب وبقيت الحماقة نفسها وكأنها إرث وطني يتوارثه الديمقراطيون عن الجمهوريين، والجمهوريون عن الديمقراطيين، بثبات وانتظام.

عالم العصابة هو الذي يهيمن على البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون. إنه عالم يستخدم القوة العسكرية والقدرة على استهلاك المال من أجل فرض كل التصورات الغبية حول كيفية بناء الأنظمة والأمم من دون العودة الى المعارف التقليدية، أو حتى الأسس والقواعد التي لا مفر من الأخذ بها لبناء شيء صالح للبقاء.

حتى لو كان العراقيون والأفغان مجرد همج، من وجهة نظر الاستعلاء الغربي، فقد كان يمكن لعشرين عاما من الجهد المنظم أن تعيد تهذيبهم وضبطهم ليكتشفوا عالما آخر ويجدوا مستقبلهم في الانتساب إليه.

ولكنهم، بقدرة مضادة أو قابلية عجيبة على التخريب، انتهوا إلى بلدين لا يعرفان حتى كيف ينتجان الكهرباء من مواردهما الخاصة.

يستطيع المرء، من دون شك أن يتفهم، أنه لو كان الأمر كله قائما على حقد مجرد، أو كراهية صافية بقصد فرض الدمار الشامل، ولتحويل هذين البلدين إلى مرتع للأفّاقين والدجالين واللصوص، فإن بوسعه أن يرى النتيجة معقولة لأنها تتوافق مع القصد. ولكن على الأقل ليس بتكاليف تبلغ 3 تريليونات دولار ولا بثمانية آلاف قتيل ومئة ألف جريح. ذلك لأنها في النهاية دمار ذاتي أيضا.

لا تستطيع أن تنتظر من طالبان أن تفعل أكثر من أن تعود إلى ما كانت عليه. ولن تستطيع مليشيات الولي الفقيه في العراق غير أن تواصل أعمال الفساد والنهب واللطم على مصالح إيران. وهما الآن من إرث العشرين عاما التي أمضتها الولايات المتحدة في هذين البلدين.

ولكن لنفسها على الأقل، تستطيع الولايات المتحدة أن تتخلص من سلوكيات العصابة التي تتحكم بالبيت الأبيض والكونغرس والبنتاجون، تلك التي تجعل هذا البلد العظيم أغبى من حمار.

لقد حققت الولايات المتحدة الكثير من المعارف والعلوم وامتلكت من الخبرات ما يكفي لكي تحقق تفوقا على كل الأمم الأخرى. ولكن بقي ينقصها شيء واحد، هو أنها في عالم السياسية وصنع القرار، ليست بحاجة الى حمير.

شاهد أيضاً

القبض على عميل ساهم بقتل أربعة قادة من “فارس الليل” في نابلس

شفا – قررت النيابة العامة، توجيه الاتهام لـ ع.ر من نابلس، بتهمة الخيانة بدس الدسائس …